الإسلام و العالم

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ

بولس الرسول .. مؤسس المسيحية : الشخصية

ليس من الصعب ـ على الإطلاق ـ البرهنة العلمية على وثنية وخرافة الديانتين اليهودية والمسيحية ، ولكن الصعب ـ كل الصعب ـ أن نجعل شعوب هاتين الديانتين تنصت إلينا كناتج طبيعي من غسيل المخ الذي يجريه رجال الدين على الأتباع منذ طفولتهم

 

*******

 

بولس الرسول .. مؤسس المسيحية (1)

الجزء الأول : الشخصية

المسحاء [1] .. والأنبياء الكذبة

دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

 

حول المزيد من ترهيب الفرد المسيحي من الفكر الإسلامي .. يقول الدكتور القس إكرام لمعي [2] ( رئيس المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية بمصر .. ومدير كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة سابقا ) ..

[ .. في مقابل الكنيسة يقف إبليس جامعا كل أعوانه وقواه بهدف إضلال البشر ، ويعتمد في تضليله على الأنبياء الكذبة : ” فيضل الساكنين على الأرض بالآيات التي أعطى أن يضعها أمام الوحش ” ( رؤيا 13 : 14 ) . وأيضا سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة .. وبهذا يمكننا القول بأن المعركة ستكون في مجال الفكر ، وذلك بقيام دعوة إضلال يحاول إبليس من خلالها إضلال الأمم ]

( انتهى )

فكما نرى من هذا الخطاب ؛ أن إبليس سوف يعتمد على المسحاء والأنبياء الكذبة في إضلال العالم المسيحي . فإذا أضفنا إلى هذا الفكر .. أن المسيحية لا تعترف بمحمد ( صلى الله عليه وسلم) رسولا أو نبيـا .. فيكون معنى هذا أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) يندرج ضمن قائمة الأنبياء الكذبة ..!!! ومن جانب آخر ؛ إذا صرح الدكتور القس ـ إكرام لمعي ـ وقال : أن المعركة سوف تكون ” معركة فكرية “ أيضا .. فإن معني هذا : أن سلسلة كتب الكاتب ـ وكذا القرآن المجيد ـ سوف تندرج جميعا ضمن دعاوى الشيطان الفكرية لإضلال العالم المسيحي ..!!!

وعندما سألت الدكتور إكرام لمعي .. صراحة : هل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ـ من منظور الكنائس المختلفة ـ يصنف من ضمن الأنبياء الكذبة ..؟!!! أطرق قليلا ثم أجاب إن بعض الكنائس تعتبره هكـذا .. وخصوصا الكنائس الأمريكية .

فقلت له ربما لهم بعض العذر لأنهم لا يتكلمون العربية ولا يفهمون معاني القرآن .. فما موقفكم أنتم .. وأنتم تتكلمون العربية .. وأقدر على فهم الدين الإسلامي منهم ..؟!!! ( صيغة الجمع التي أتبناها معه في الحوار .. لا أقصد بها سوى أنه يتكلم بالنيابة عن شعب الكنيسة الإنجيلية بحكم منصبه ) فكان جوابه .. بأنه يمكن اعتبار ” محمد ” نبي خاص بقوم معينين .. أي نبي خاص بقبيلة : ” قريش ” أو العرب ..!!!

وبغض النظر عن عالمية الدين الإسلامي ومحلية الدين المسيحي ( بمعنى قصر رسالة السيد المسيح على اليهود فقط ) .. فإن مثل هذا الرد هو رد دبلوماسي .. وليس ردا دينيا يعبر عن حقيقة فكر الكنيسة .. تجاه محمد ( صلى الله عليه وسلم) . فكيف يكون الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مُرْسلا من قِبَل ” المسيح الإله ” أو من قِبَل الثالوث القدوس : الآب والابن والروح القدس .. إلى العرب .. ولا يقول بهذه المعاني لهم ..!!! بل ويحكم بكفر كل من يقول بهذا الثالوث القدوس .. إلا إذا كان محمد مُرْسلا من قِبَل إله آخر غير إله المسيحية ..!!! ولما كانت الكنيسة لا تعترف بوجود إله آخر غير المسيح الإله .. فلابد وأن تدرج محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) ضمن قائمة الأنبياء الكذبة ..!!!

وفلسفة الدكتور القس إكرام لمعي في الخطاب الديني المسيحي .. تعتمد أساسا ـ كما سبق وأن بينت في كتابات سابقة ـ على جهل السامع المسيحي أو المتلقي أو المستمع بصفة عامة . فهو الذي يقول [3] : أن الخطيب هو قوام التعليم الديني المسيحي .. والمستمع هو النتيجة .. وأن الخطيب يسلب المستمع حقه الإنساني في أن يقدم رأيه وفكره .. كما يفقده القدرة على الحوار . ولهذا يخاف الخطيب على المستمع من الحرية الفكرية كما يرى أن الوعي الناقد يزلزل الأتباع . ولهذا يصف السلطة الأبوية والتكنيك الخطابي المسيحي بصفات كثيرة نذكر منها الصفات التالية :

  • الخطيب يعرف كل شيء والمستمع لا يعرف .
  • الخطيب يفكر والمستمع لا يفكر .
  • الخطيب يختار ويفرض اختياره والمستمع يذعن .
  • الخطيب يتصرف والمستمع يعيش في وهم التصرف من خلال عمل الخطيب .

وبهذه المعاني ؛ يرى الدكتور القس إكرام لمعي .. أن الخطيب ـ في الفكر المسيحي ـ هو الذي يملك زمام الأمور .. وهو المهيمن الذي يسيطر على فكر المتلقي أو الفرد المسيحي وبالتالي يملك الخطيب المسيحي القدرة على القيام بعمليات غسيل المخ المنظمة للفرد المسيحي حيث يضع أو يبث في عقل الفرد المسيحي ما يشاء من أفكار هو يرغبها .. ومن ضمنها الترهيب من الفكر الإسلامي .. والإيمان بالعقيدة الألفية السعيدة .. ومقدمتها الضرورية الخاصة بإبادة شعوب العالم الإسلامي .. ومحو الإسلام من الوجود .

والمعروف أن المسيحية بشكلها الحالي قد شكلتها قرارات المجامع الكنسية ـ على طول تاريخ الكنيسة ـ مستندة في ذلك إلى رسائل بولس الرسول فقط .. ولهذا يطلق عليها عادة : “مسيحية بولس” وليست : ” مسيحية المسيح “ [4] . ولهذا يحذر السيد المسيح قومه من الأنبياء الكذبة التي سوف تأتي من بعده ليحرفوا رسالته فيقول لهم ..

[ (15) احترزوا من الأنبيـاء الكذبـة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة (16) من ثمارهم تعرفونهم . هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا (17) هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة . وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا رديّة ] [5]

( الكتاب المقدس : إنجيل متى : {7} : 15 – 16 )

 

وربما لا ينطبق هذا التحذير بمعناه الحرفي على أحد .. بقدر ما ينطبق على بولس ( الرسول ) نفسه .. كما سنرى ذلك في الفقرات التالية ..

 

شاول ( الحاخام اليهودي ) .. أو بولس الرسول ..

بولس الرسول ( 3 م. ـ 62 م. ) : واسمه العبري ” شاول “ .. كان مواطنا رومانيا يهوديا .. ولد في العام الثالث بعد الميلاد في مدينة : ” طرسوس [6] : Tarsus.. بجنوب تركيا من أبوين يهوديين من نسل إبراهيم . وكان أبوه فريسيا من سبط بنيامين ابن يعقوب ( أي إسرائيل ) ( رومية 11 : 1 ) . وكان بولس لا يؤمن بألوهية المسيح . كما كان لا يرى في أتباع المسيح سوى خطرا دينيا وسياسيا على الدولة . لذا قام باضطهادهم بقسوة بالغة وطاردهم داخل وخارج أورشليم ( القدس ) .

وفي طريق رحلته من أورشليم إلى دمشق .. للقبض على المسيحيين الفارين من أورشليم قال : بأن المسيح قد تراءى له وقاده إلى الإيمان بـه ( سفر أعمال الرسل 22 : 1 – 11 ) ومنذ ذلك التاريخ عمل بولس في نشر الديانة المسيحية .. حيث كتب أربعة عشر رسالة ( هذا بفرض أنه كاتب الرسالـة إلى العبرانيين ) .. والتي تم ضمها جميعا إلى الكتاب المقدس .. واتخذت أساسا فيما بعد ـ من خلال قرارات المجامع الكنسية المسكونية ـ لتشكيل الديانة المسيحية بشكلها الحالي .. والتي وصلت إلى حد نسبة الديانة المسيحية نفسها إلى بولس .. ولهذا أطلق عليها لقب ” مسيحية بولس ” .

وتنقل بولس في أثناء تبشيره بالديانة المسيحية .. إلى عدة دول ( منها : قبرص ، إنطاكية ، أورشليم ، سوريا ، روما ) إلى أن قتل في روما في : 22 فبراير عام 62 م. [عن : موسوعة الإنكارتا ] . ويوجـد رأي آخر يقول بأنه استشهد في حريق روما أيام نيرون في يوليو 64 م. [ عن : قاموس الكتاب المقدس . كما قال القاموس ـ أيضا ـ بالرأي السابق التي قالت به الموسوعة ] .

وكانت مدينة ” طرسوس ” التي نشأ فيها بولس مركزا هاما للعلم و ” للفلسفة الرواقية : Stoicism .. التي ركزت تعاليمها على الأخلاق كما نادت بوحدة الوجود . وقد ظهر تأثير هذه الفلسفة في كثير من تعبيرات بولس عن المبادئ المسيحية .. كما قال بهذا قاموس الكتاب المقدس ( ص : 196 ) . وهو ما يعني أن بولس كان ذا خلفية ثقافية ملمة بالفلسفة اليونانية إلى جانب إلمامه بالثقافة اليهودية ( العهد القديم ) .. بحكم كونه يهوديا .

ونبدأ بتقديم بولس ( Paul ) لنفسه في رسالته إلى أهل رومية ( أي إلى أهل روما ) .. فنجده يقول ..

[ (1) بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا ( apostle ) المُفْرَزِ ( separated ) لإنجيل الله ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 1 : 1 )

ونلاحظ في هذا النص أن تعبير المدعو رسولا تعني أن لفظ : ” رسول ” .. هو لفظ أو لقب اختاره بولس لنفسه ولا يعني أنه ” رسول ” بالمعنى الحرفي للكلمة مثل موسى ( عليه السلام ) . وربما الكلمة الإنجليزية ( apostle ) والتي تعني ” حواري ” وليس نبيا ـ كما تأتي في نسخة الملك جيمس الإنجليزية ـ هي كلمة أكثر دقة في وصف طبيعة بولس على أنه حواري وليس رسولا .

ويقول التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ( ص : 2373 ) عن معنى هذه الفقرة :

[ عندما آمن بولس ، اليهودي المتعصب الذي كان يضطهد المسيحيين ، استخدمه الله لنشر الإنجيل في كل العالم .. ] ( انتهى )

وهكذا ؛ لم تكن لبولس أي رسالة خاصة .. بل تركزت كل مهمته ( وفي حدود فهمه ) على التبشير أو نشر الإنجيل كما يفهمه .. كما يقول هو بهذا أيضا ..

[ (19) بقوّة آيات وعجائب ، بقوة روح الله . حتى إني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون ( مقاطعة إليريكون ) قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 15 : 19 )

ويتأكد هذا المعنى أيضا في النص التالي ..

[ (16) أقول أيضا لا يظن أحد أنى غبي . وإلا فاقبلوني ولو كغبي لافتخر أنا أيضا قليلا . (17) الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب بل كأنه في غباوة في جسارة الافتخار هذه ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 16 – 17 )

وكما نرى ؛ هو نص يقطع بأن بولس ( Paul ) .. ليس رسولا أو نبيـا بل يحاول دخول منتدى الأنبياء .. بدون وحي ..!!! فبولس يعترف صراحة بأن .. [ .. الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب بل كأنه غباوة .. ] .. أي أن كلامه ليس وحيا .. بل مجرد ” غباوة ” منه وله الحق في أن يفتخر بهذه الغباوة .. كما في الترجمة الحديثة لنفس هذا النص ..

[ (16) أقول مرة أخرى : لا يظن أحد أنى غبي وإلا ، فاقبلوني ولو كغبي . كي أفتخر أنا أيضا قليلا . ]

( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 16 )

ويحاول بولس أن يرفع من شأن نفسه .. بادعائه بأنه ليس أقل من الرسل المتميزين في شيء على الرغم من أنه لا قيمة له .. وعلى الرغم من غبائه الذي يفتخر به صراحة ..

[ (11) قد صرت غبيا وأنا افتخر . أنتم ألزمتموني لأنه كان ينبغي أن أُمدح منكم إذ لم انقص شيئا عن فائقي الرسل وإن كنت لست شيئا . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 12 : 11 )

وربما الترجمة الحديثة لهذا النص أكثر وضوحا لهذا المعنى ..

[ (11) ها قد صرت غبيا ! ولكن أنتم أجبرتموني ! فقد كان يجب أن تمدحوني أنتم ، لأني لست متخلفا في شيء عن أولئك الرسل المتفوقين ، وإن كنت لا شيء ]

( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 12 : 11 )

فكما نرى ؛ أن بولس يعترف بغبائه صراحة .. ومع ذلك يحـاول كسب إطـراء ومديح الناس [ .. فقد كان يجب أن تمدحوني .. ] . ويرى ـ وفي حدود فهمه القاصر ـ أنه لا يقل عن الرسل في شيء ..!!! وليس هذا فحسب .. بل يتكلم ـ بولس ـ أحيانا كمختل العقل عندما يحاول أن يبين أنه أهم وأفضل خدام المسيح .. لأنه احتمل الكثير ..

[ (22) أهم عبرانيون فأنا أيضا . أهم إسرائيليون فأنا أيضا . أهم نسل إبراهيم فأنا أيضا (23) أهم خدام المسيح . أقول كمختل العقل . فأنا أفضل . في الأتعاب أكثر . في الضربات أوفر . في السجون أكثر . في الميتات مرارا كثيرة .]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 23 )

ولا يصح القول أن بولس اضطر إلى أن يقول هذا لأن الناس تشككت في رسالته كما يقول قداسة البابا شنودة الثالث [7] ..!!! ففي جميع الأحوال لا يصح للرسول أن يتكلم كمختل العقل .. فكيف تثق الناس في من يتكلم كمختل العقل ..؟!!!

وكان بولس يرى أنه ليس متخلفا ـ في أي شيء ـ عن الرسل المتفوقين أو المتميزين على الرغم من تصريحه بأنه غبي ولا يساوي شيئا ..!!! بل ومازال ـ بولس ـ يعتقد في هذا .. على الرغم من عاميته في الكلام ..

[ (5) لأني أحسب أني لم انقص شيئا عن فائقي الرسل ( الرسل المتفوقين ) . (6) وإن كنت عاميا في الكلام فلست في العلم بل نحن في كل شيء ظاهرون لكم بين الجميع . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 5 )

ويسعى بولس إلى كسب الناس بأي ثمن .. حتى وإن تنازل عن مسيحيته حين يقول ..

[ (19) فإني إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين ( أي : لكي أربح أكبر عدد منهم ) . (20) فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود . وللذين تحت الناموس ( الشريعة ) كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس (21) وللذين بلا ناموس ( أي : بلا شريعة ) كأني بلا ناموس ( أي : بلا شريعة ) . مع أني لست بلا ناموس الله بل تحت ناموس للمسيح لأربح الذين بلا ناموس . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 9 : 19 – 21 )

وهو نص يعكس فلسفة بولس بصفة عامة .. فهو يتلون بأي لون .. وبأي ديانة في سبيل كسب إعجاب النـاس وإطرائهم ( وللذين بلا ناموس أي بلا شريعة .. كأني بلا ناموس أي بلا شريعة ) فهو يريد أن يربح الجميع بأي ثمن .. حتى وإن اعتنق الوثنية ..!!!

وبديهي ؛ مثل هذا الفكر لا يمكن أن يكون وحيا بأي حال من الأحوال . فالوحي الإلهي الصادق ( العهد الحديث ) يجب أن يكون مستقلا عن قبول ورفض الناس للرسول . فما على الرسول إلا البلاغ بالدين الحق فحسب سواء قبل به الآخرون أم رفضوه .. فلا يحق للرسول أن يتلون مع الجماعات وإلا فقد الدين ( أو البلاغ الإلهي ) مغزاه .. وهذا هو القول الإلهي الفصل للرسول الكريم ..

{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) }

( القرآن المجيد : هود (11) : 57 )

أي فإن تولوا .. أي إن أعرضوا عن الرسول ( أي رسول أو نبي ) .. فيقول لهم : لقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم . فإن أخذتم به فهو حظكم .. وإن تركتوه فسوف يستخلف الله ( U ) قوما غيركم يأخذوا به .. ولا تضرونه شيئا بتركم له . وتتوالى الآيات في القرآن المجيد ( العهد الحديث ) لتبين أن عند إعراض الناس عن الرسول .. فليس له دور سوى البلاغ ..

{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (82) }

( القرآن المجيد : النحل (16) : 82 )

ويتناهى الفكر الرياضي والإحكام الصياغي .. لهذه المعاني .. في قوله تعالى ..

{ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) }

( القرآن المجيد : الأنبياء (21) : 109 – 112 )

{ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء .. } .. أي إن أعرضوا عنك فقل لهم سنفترق ـ الآن ـ بعد أن تساوينا في معرفة الحق .. ليحملوا أوزارهم كاملة . وأرجو من رجال الدين المسيحي مقارنة هذه الصياغة .. بالصياغة الهابطة التي قال بها بولس الرسول .. الغبي .. المتلون .. المنافق .. الذي يتكلم كمختل العقل .. على حد تعبيره ووصفه لنفسه ..!!! وترد كلمة ” تولوا “ في القرآن المجيد 33 مرة .. لتحمل من المعاني .. ما تجعلنا نخر سجدا وبكيا لله ( سبحانه وتعالى ) .. لا نوفيه حق جلاله ..!!!

إذن ؛ فرسالة الرسول تنحصر في تنفيذ الأوامر الإلهية فحسب وعليه تنفيذها بخشوع يصل إلى حد زلزلة النفس والجسد معا .. كما جاء في قول الله تعالى لرسوله الكريم ..

{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) }

( القرآن المجيد : الحجر (15) : 94 )

وهو أمر يزلزل كيان الرسول وتابعيه .. ويعجز الفكر واللسان عن شرح معناه .. { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ .. } حيث لا يمكن فهم هذا المعنى .. إلا بربطه بقوله تعالى عند وصف تأثير نزول القرآن المجيد على الجبال ..

{ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (94) }

( القرآن المجيد : الحجر (15) : 94 )

واترك لرجال الدين المسيحي التأمل و {.. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في هذه المعاني ..!!!

والسؤال الآن ؛ هل كان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يسعى لمجد شخصي أو كسب الآخرين .. كما كان بولس يسعى لذلك ..؟!!! فها هو قول الحق تبارك وتعالى له في قرآنه المجيد ( العهد الحديث ) ..

{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) }

( القرآن المجيد : سبأ (34) : 47 )

فكما نرى أن أجر الرسول هو على الله ( سبحانه وتعالى ) .. أما الفرد الذي آمن فأجره لنفسه .. فهو المستفيد الأول والأخير من إيمانه بنيله الخلاص المأمول .. بتحقيق الغايات من خلقه والذي يتلخص في : الإيمان المبني على العقل .. أي ” الإيمان العاقل ” .. والعمل بالشريعة ( أي ضرورة القيام بالأعمال الصالحة ) . والعمل بالشريعة ليس بدعا .. بل هي أوامر وأحكام الله ( سبحانه وتعالى ) الواجب اتبـاعها لكل من يؤمن به .. على طول رسالاته . فهذا قوله تعالى لموسى ( عليه السلام ) ..

[ (16) هذا اليوم قد أمرك الرب إلهك أن تعمل بهذه الفرائض والأحكام ( الشريعة ) فاحفظ واعمل بها من كل قلبك ومن كل نفسك ]

( الكتاب المقدس : تثنية 26 : 16 )

ونعود مرة أخرى .. إلى بولس الرسول ( أو بولس الحواري ) فنجده يحاول ـ كذلك ـ نفي تهمة الكذب عن نفسه في رسائله المختلفة ..

[ (31) الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي هو مبارك إلى الأبد يعلم أنى لست أكذب . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 31 )

[ (20) والذي اكتب به إليكم هو ذا قدّام الله أنى لست أكذب فيه . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 1 : 20 )

[ (7) .. الحق أقول في المسيح ولا أكذب . معلّما للأمم في الإيمان والحق ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تيموثاوس 2 : 7 )

وهكذا ؛ يتوالى دفاع بولس ( الرسول ) عن نفسه على طول رسائله .. بأنه لا يكذب ..!!! تماما ؛ كما كان دائم الدفاع عن غبائه على النحو الذي رأيناه في النصوص السابقة ..!!! كما كان بولس يطلب دائما من الناس احتمال غبائه ..

[ (1) ليتكم تحتملون غباوتي قليلا . بل أنتم محتملي ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 1 )

وليس أدل على أن الرسالة من منظور بولس هي مجرد تنافس ومزاحمة في تفسير النصوص مع آخرين .. من النص التالي ..

[ (12) ولكن ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجَدوا كما نحن أيضا في ما يفتخرون به (13) لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 12 – 13 )

ولهذا يرمي بولس ـ دائما ـ الآخرين بالكذب .. وبأنهم رسل كذبة .. والغرض النهائي من هذا كله ـ من وجهة نظره ـ هو التفاخر .. وتحقيق الذات ( Self actualization ) بالمفهوم العصري ..!!! وهكذا ؛ لم تكن الرسالة من منظور بولس سوى صراع فكري مع الآخرين لتحقيق ذاته .. [ .. ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجَدوا كما نحن أيضا في ما يفتخرون به ] .

فهذا هو بولس الحواري ( وليس الرسول ) في عجالة سريعة .. الرجل الذي شكل العقيدة المسيحية التي نراها الآن .. وهذا هو وصفه لنفسه ولصفاته [8] . والآن ؛ هل يوجد رسول يقول لقومه : ها قد صرت غبيا .. وأنتم أجبرتموني على هذا الغباء ..؟!!! وليتكم تحتملون غباوتي ..!!! وإني أتكلم كمختل العقل ..!!! كما كان يحاول أن يبين بأنه لا يقل عن الرسل في شيء .. [ لست متخلفا في شيء عن أولئك الرسل المتفوقين ] حتى وإن كان لا قيمة له .. [ وإن كنت لا شيء ] .. أي أن الرسل لا قيمة لهم ..!!! كما كان يدافع عن نفسه دائما وبأنه لا يكذب [ .. أنى لست أكذب ] .

كما كان يسعى إلى كسب المجد الشخصي .. [ .. فقد كان يجب أن تمدحوني ] .. ويتلون في نفاق الناس لكسبهم .. إلى حد التظاهر بالوثنية ( وللذين بلا ناموس .. أي بلا شريعة كأني بلا ناموس .. أي بلا شريعة ) .. أي هو يريد أن يربح الناس بأي ثمن إلى حد التظاهر بأنه وثني .. وكافر .. وبلا شريعة ..!!! فهـل يمكن أن تكون هذه شخصية رسول ..؟!!! سبحان الله ..

{ .. أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78) }

( القرآن المجيد : هود (11) : 78 )

[ رشيد : عاقل .. ]

ومـاذا يوجد في المقابل في الدين الإسلامي ..؟ ففي الوحي الإلهي الصادق ( العهد الحديث ) يصف المولى ( سبحانه وتعالى ) .. رسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ..

{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) }

( القرآن المجيد : النجم {53} : 3 – 5 )

وأرجو من رجال الدين المسيحي إعادة قراءة هذه الآيات الكريمة عدة مرات حتى يمكنهم إدراك معناها .. وهل تنبه رجال الدين المسيحي إلى أن الرسول يجب أن : لا ينطق عن الهوى .. إن هو إلا وحي يوحى .. وأن الدين علم : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } .. وليس خرافات وأساطير وجهل وغباء .. وسعي لتحقيق الذات ..!!!

وبالمناسبة .. لم ترد ذكر كلمة ” وحي “ في رسائل بولس إلا مرة واحدة ( رومية 11 : 4 ) وهو يتكلم عن ” إيليا النبي ” .. وليس عن نفسه . فهل تنبه إلى هذا المخدوعون ..؟!!!

فالرسول يجب أن يقوده الوحي الإلهي الصادق في كل ما ينطق به .. كما جاء في قوله تعالى عن رسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ..

{ .. إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50) }

( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 50 )

أود أن يقرأها المخدوعون عدة مرات حتى ينتبهوا لحقيقة ما يؤمنوا به .. وحقيقة الوحي الإلهي الصادق . فالقضية الدينية ـ إذن ـ هي قضية علمية يجب أن يسودها العقل والمنطق .. وليست قضية يسودها الجهل والغباء : ) .. أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } ..!!!

 

وقفة عقلانية ..

كما رأينا ـ من الفقرات السابقة ـ أن بولس لم يكن سوى أحد الذين بشروا بالإنجيل .. أي إنه كان واحدا من المفسرين الأوائل للإنجيل ( أو للأناجيل ) فحسب . واعترف هو بذلك صراحة كما اعترف بأنه لم يكن يتكلم عن وحي جاء إليه من السماء .. بل كان يتكلم عن ثقافة شخصية يدين بها لثقافة عصره ( وبغض النظر عن غبائه باعترافه الشخصي ) ..!! والمعروف ـ الآن ـ أن بولس كتب أربعة عشر رسالة ( هذا بفرض أنه كاتب الرسالـة إلى العبرانيين ) وقد تم ضمها جميعا إلى الكتاب المقدس واتخذت هذه الرسائل فيما بعد ـ من خلال قرارات المجامع المسكونية ـ الأساس الكامل لتشكيل الديانة المسيحية بشكلها الحالي . فبولس هو الذي قرر ألوهية المسيح .. وهو الذي قال ببنوة المسيح الحقيقية ( التثليث ) .. وهو الذي قال بالخطيئة الأصلية .. وهو الذي قال بالإيمان في الفداء والصليب .. إلى آخره . وهكذا ؛ نسبت الديانة المسيحية نفسها إلى بولس وليس إلى المسيح ..!!!

والسؤال الآن :

أولا : كيف ساغ لرجال الدين المسيحي القيام بضم تفاسير بولس ( أي رسائل بولس ) إلى الأناجيل ( هذا بغض النظر عن صحتها ) .. واعتبار هذه التفاسير ( أي الرسائل ) جزءا أصيلا ومكملا أو متمما للديانة المسيحية نفسها ..؟!!!

ثانيا : كيف ساغ لرجال الدين المسيحي اعتبار رؤية بولس للمسيحية هي الرؤية الوحيدة والصحيحة للديانة المسيحية .. وفرضها على الجميع بالقوة ( وهي الرؤية التي شكلت الديانة المسيحية فيما بعد ) . بل وحرمت هذه الرؤية الآخرين من رؤية المسيح على حقيقته [9] ..؟!!!

ثالثا : هل صدقت رؤية بولس في فهم وتفسير الديانة المسيحية ..؟!!! وهو ما تم الإجابة عليه في كتابات الكاتب السابقة ؛ والتي انتهت إلى نقل المسيحية من حيز العقل إلى حيز الأسطورة والخرافة ..!!!

ونلاحظ هنا ؛ لو قام رجال الدين الإسلامي باتباع نفس هذا المنهاج .. للزم أن يقوموا بإضافة التفاسير الأولى للقرآن المجيد ( مثل : تفسير الطبري .. والقرطبي .. وابن كثير .. إلخ ) إلى القرآن المجيد نفسه .. وهو ما يعني اختلاط النص الإلهي أو الوحي الإلهي بالنصوص البشرية . ولكن هذا لم يحدث في الدين الإسلامي . بل حتى السنة النبوية الشريفة ( أي كل ما صدر عن الرسول r من قول أو فعل أو تقرير ) لم تضاف إلى نصوص القرآن المجيد .. بل صنفت بشكل مستقل عنه وخضعت للتدقيق والبحث والتمحيص .. كما تم تصنيف الأحاديث من حيث الدقة والتواتر من قِـبَـل العلماء ورجال الدين الإسلامي .

وعموما هذا ليس بمستغرب على الفكر المسيحي .. لأن الأناجيل نفسها قد كتبت بلا وحي من السماء ( حيث لم ترد ذكر كلمة ” وحي ” في الأناجيل الأربعة على الإطلاق لتعبر عن كتابة هذه الأناجيل ) [10] . بل كتبت هذه الأناجيل كقصص تعبر عن رؤية كاتبيها للأحداث الجارية في فترة حياة المسيح .. حيث نرى هذا بوضوح في رسالة لوقا كاتب ( إنجيل لوقا ) . فإنجيل لوقا لم يخرج عن كونه رسالة كتبها ” لوقا ” إلى شخص يدعى ثاوفيلس ( لم يذكر التفسير التطبيقي صلته بلوقا ) ليقص عليه الأحداث التي رآها في تلك الفترة .. كما جاء ذلك في افتتاحية إنجيله الذي يقول فيه ..

[ (1) إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا (2) كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة (3) رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن اكتب على التوالي إليك أيها العزيز ( أو صاحب السمو ) ثاوفيلس (4) لتعرف صحة الكلام الذي علّمت به (5) كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا .. ]

( الكتاب المقدس : إنجيل لوقا {1} : 1-5 )

أي أن إنجيل لوقا ( الإنجيل الثالث من الكتاب المقدس ) .. هو بمثابة ” قصة ” ( عن رواية لوقا ) عن الأحداث التي وقعت في هذه الفترة من حياة السيد المسيح ..!! وهكذا ؛ كان تدوين باقي الأناجيل ـ عن رواية متى .. وعن رواية مرقص .. وعن رواية يوحنا ـ أي كتابة قصة الأحداث التي تمت في هذه الفترة من حياة السيد المسيح عن رواية الكاتب نفسه ورؤيته ومدى فهمه واستيعابه للأحداث فحسب وبدون وحي .. حيث لم ترد ذكر كلمة ” وحي ” على نحو قطعي في الأناجيل الأربعة إلا على النحو السابق ذكره في الهامش العاشر . والمعروف أن الأناجيل دونت ما بين عام 70 وعام 115 .. وأن لا أحد من كتّاب الأناجيل عرف يسوع المسيح أو استمع إلى حديثه . كما كتبت هذه الأناجيل باللغة اليونانية بينما كان يسوع يتكلم الآرامية . وهذه فروق جوهرية في كتابة الأناجيل وتدوين القرآن المجيد .

وفي المقابل ؛ إذا جئنا إلى موضوع الوحي في الفكر القرآني ( العهد الحديث ) .. فنجد أن ” الوحي ” في غاية من الوضوح .. لا لبث فيه ولا غموض . فالمولى ( سبحانه وتعالى ) يقول لرسوله الكريم ..

{ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (50) }

( القرآن المجيد : الأحزاب {33} : 2 )

والوحي ليس بجديد في الفكر الديني .. بل هو سمة العلاقة بين المولى ( سبحانه وتعالى ) والرسل .. على مدار العلاقة بين السماء والأرض . ولهذا يأتي قوله تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ليقول للبشرية ..

{ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9) }

( القرآن المجيد : الأحقاف {46} : 9 )

كما تتناهى معاني الرسالة والرسول في قوله تعالى ..

{ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) }

( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 105 )

ونكتفي بهذا القدر ..

 

علم بولس الرسول ..

وفي هذه الفقرة سوف نعرض لعلم بولس نفسه . فنجد أن بولس يعترف صراحة بأنه يدين بعلمه للجهلاء .. كما يدين للحكماء أيضا .. ولفلاسفة اليونان ..

[ (14) إني مديون لليونانيين والبرابرة للحكماء والجهلاء . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 1 : 14 )

أي أن رسالته ـ كما نرى من هذا النص ـ هي خليط من الثقافات .. ونوع من الفوضى الكتابية والفكرية . ويتناقض بولس ـ في هذا ـ مع ” إله المسيحية ” [11] الذي يرفض حكمة الحكماء .. وفهم الفهماء ..!!!

[ (19) لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء . (20) أين الحكيم . أين الكاتب . أين مباحث هذا الدهر . ألم يجهّل الله حكمة هذا العالم . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 19 – 20 )

فكما نرى ؛ أن بولس يقبل بالحكمة والجهل معا .. بينما إلهه .. ” إله المسيحية ” يرفض الحكمة .. ولا يقبل إلا بالجهل ..!!! فـ ” إله المسيحية ” .. لم يرى في حكمة هذا العالم سوى الجهل .. حيث يبين لنا بولس أن هذا الإله لا يقع اختياره إلا على الجهلة فقط .. بل ويفضلهم على أهل الحكمة ..

[(27) بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء . واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 27 )

وبديهي ؛ إذا اعتبر بولس نفسه من اختيار الرب فهو جاهل ـ على حسب هذا النص ـ وليس من الحكماء ..!!! ويلخص لنا بولس الرسول أن : ” فكرة الفداء والصلب “ ـ أي محور الديانة المسيحية ـ لا يمكن أن تسود إلا في غياب العقل والحكمة .. وغياب الفهم .. بل وتصلح مع الجهلة فقط ..

[ (18) فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله . (19) لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء . (20) أين الحكيم . أين الكاتب . أين مباحث هذا الدهر . ألم يجهّل الله حكمة هذا العالم . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 18 – 20 )

ويبين لنا ” بولس ” .. أن ” إله المسيحية ” يرى طريق الجهل والحماقة .. هو الطريق الأمثل لمعرفته ..

[ (21) لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة (أي بحماقة البشارة : by the foolishness of preaching)]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 21 )

أي أن الخالق قد استحسن أن يكون الطريق إليه .. هو ” طريق الجهل والحماقة “ ..!!! ولهذا يقدس بولس الجهل .. ويرفعه فوق الحكمة ..

[ (18) لا يخدعنّ أحد نفسه . إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلا لكي يصير حكيما . (19) لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله لأنه مكتوب الآخذ الحكماء بمكرهم . (20) وأيضا الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة . ]

( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 3 : 18 – 20 )

فهذا هو فكر ” إله المسيحية ” عن الحكمة والحكماء .. فهو يرى أن أفكار الحكماء باطلة ..!!!

وماذا في المقابل .. في الوحي الإلهي الصادق ( العهد الحديث ) .. يأتي ذكر ” الحكمة ” مقترنة بمفهوم العلم والوحي .. كما في قوله تعالى ..

{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (151) }

( القرآن المجيد : البقرة {2} : 151 )

وتقترن الحكمة ـ دائما ـ في الفكر الإسلامي .. بالخير ( وبكل الخير ) للإنسان .. وأنها هبة وعطاء من الله ( سبحانه وتعالى ) ..

{ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269) }

( القرآن المجيد : البقرة {2} : 269 )

[ أولوا الألباب : أصحاب العقول ]

وهذا ذكره ( سبحانه وتعالى ) .. عن عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) .. ورسالته ..

{ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (48) }

( القرآن المجيد : آل عمران {3} : 48 )

فهذا هو بولس ( الرسول ) ـ مؤسس الديانة المسيحية ـ الذي يقول [ .. الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب بل كأنه غباوة .. ] .. أي هذا الكلام ليس وحيا ..!!! وهو الذي يتكلم [ .. كمختل العقل ] .. وهو الذي يدافع عن كذبه .. ويدافع عن ” غبائه ” ويرفض العلم في كل فقرة في خطابه ( المقدس ) .. وهو الذي يرفع الجهل فوق الحكمة .. بل ويطالب الشعوب المسيحية بضرورة الجهل .. حتى يكونوا حكماء ..!!! وأن عقيدة التثليث لا تتم إلا بالجهل والحماقة ..!!! وبعد كل هذا يدرجون ” بولس ” ضمن الأنبياء الصادقين .. ويدرجون محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) الذي جاء بكل الحق .. وبكل العلم .. وبكل المنطق .. ضمن قائمة الأنبياء الكذبة ..!!! ليصفهم الحق ـ تبارك وتعالى ـ في قرآنه المجيد بقوله تعالى ..

{ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) }

( القرآن المجيد : الفرقان {25} : 43 – 44 )

أي هم أضل من الماشية ..!!! وهم بذلك ليسوا بدعة .. فقد سبقهم في ذلك ثمود ـ قوم صالح u ـ الذين استحبوا العمى على الهدى .. ليأتي قوله تعالى فيهم ..

{ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) }

( القرآن المجيد : فصلت {41} : 17 – 18 )

 

****************

هوامش المقالة :

[1] مسح يمسح مسحة : المسح في الكتاب المقدس يعني صب الزيت أو الدهن على الشيء لتكريسه لخدمة الرب بصفة عامة .. سواء كان هذا في الكنائس أو المعابد أو غيرها . وبهذا المعنى يصبح المسحاء الكذبة هم المفكرون أو المنشقون من أهل العقيدة على العقيدة نفسها .. وليس بالضرورة أن يكونوا أنبياء . وبهذا المعنى يندرج الداعية الإسلامي السابق دراسته ” إبراهيم خليل أحمد ” ( راعي الكنيسة الإنجيلية وأستاذ اللاهوت بكلية اللاهوت بأسيوط سابقا ) تحت هذا المسمى .. أي يعتبر من المسحاء الكذبة .

[2] ” هل يملك المسيح على الأرض ” ؛ الدكتور القس إكرام لمعي . دار الثقافة . ( ص : 59 ) .

[3] عن .. ” تجديد الخطاب الديني .. وأسئلته .. وإجاباتها ” . مقالة .. بجريدة الأهرام في عددها رقم 42095 الصادر في : 8 / 3 / 2002 .

[4] للرؤية التفصيلية لهذه المعاني يمكن الرجوع إلى مرجع الكاتب السابق : ” الحقيقة المطلقة .. الله والدين والإنسان ” ؛ مكتبة وهبة . وأنظر أيضا الكتاب الأول من هذه السلسلة : ” الإنسان والدين .. ولهذا هم يرفضون الحوار ” ، لرؤية جانب من هذا المعنى .

[5] لشروط الاستشهاد بالكتاب المقدس .. يمكن للقارئ الرجوع إلى مرجع الكاتب السابق : ” بنو إسرائيل .. من التاريخ القديم وحتى الوقت الحاضر ” ؛ مكتبة وهبة .

[6] طرسوس : هي أحد المدن الهامة في منطقة ” كيليكية : Cilicia ” ( آسيا الصغرى قديما / تركيا ) .. والتي نشأت فيها ” كنيسة إنطاكية ” فيما بعد . وتقع مدينة طرسوس في جنوب تركيا بالقرب من البحر الأبيض المتوسط . ويبلغ عدد سكانها على حسب تعداد 1990 ( 508 , 187 ) نسمة .

[7] ” سنوات مع أسئلة الناس ” ؛ البابا شنوده الثالث . الجزء السابع . الطبعة الأولى . ص : 31 / 32 .

[8] من الناحية التاريخية يوجد من يبرهن على أن بولس كان حاخاما يهوديا اعتنق النصرانية لإبادتها من الداخل فيما لم يستطع تحقيقه بالقوة .. مستندين في هذا إلى النص التالي : [ (26) ولما جاء شاول ( بولس ) إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ . وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ ] ( أعمال الرسل 9 : 26 ) .

[9] عند انعقاد مجمع نيقية المسكوني الأول ( عام 325 م. ) كان يوجد معسكرين دينيين . المعسكر الأول بزعامة الأسقف ” آريوس ” الذي نادى بأن يسوع ( أي عيسى عليه السلام ) مخلوق ، وليس هو ” الإله ” أو ” ابن الإله ” . والمعسكر الثاني بزعامة الشماس ” أثناسيوس ” الذي نادى بأن يسوع هو ” الإله المتجسد ” الذي صار خلاصا للعالم . وقد وجد الإمبراطور : ” قسطنطين ” ( الكاهن الأعظم للإمبراطورية في ذاك الوقت ) أن دعوة ” أثناسيوس ” تتفق مع عقيدته ( الديانة الميثراسية ) .. فقتل آريوس وطارد أتباعه وشردهم .. كما أمر مجمع صور الإقليمي ( عام 333 م. ) بحرق جميع كتب آريوس .. كما اعتبر إخفاء أي كتاب منها جريمة يعاقب عليها بالإعدام . وهكذا ؛ شكلت رؤية بولس المنفردة ألوهية المسيح .. والعقيدة المسيحية بأسرها .

للتفاصيل أنظر : ” الحقيقة المطلقة .. الله والدين والإنسان / بند : المجامع الكنسية ” ، نفس المؤلف . مكتبة وهبة .

[10] ولكن وردت كلمة ” أوحي ” ثلاث مرات فقط في الأناجيل الأربعة . مرتان في إنجيل متى ( 2 : 12 و / 2 : 22 ) للإشارة إلى الوحي إلى المجوس .. وإلى يوسف النجار زوج مريم العذراء . ومرة واحدة في إنجيل لوقا للإشارة إلى الوحي الذي حدث لرجل اسمه سمعان : [ (26) وكان قد أوحي إليه ( أي إلى سمعان ) بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب ] ( لوقا 2 : 26 ) .

[11] كما سبق وأن ذكرت .. فإني أحاول دائما ـ وقدر المستطاع ـ أن لا أزج بلفظ الجلالة ” الله ” .. في مثل هذه الوثنيات الفكرية .

 

6 تعليقات to “بولس الرسول .. مؤسس المسيحية : الشخصية”

  1. حسين عبدالله اسماعيل محمد said

    اشكر كل الاخوه الذين يذودون على الاسلام ويطلعوننا على كل ما قد يكون خفي علينا وجازهم الله عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء وبعد
    فقط ارجو ان تقبلو منى هذا التحليل البسيط وقد يستطيع احد ما ان يصيغه بطريقه افضل منى ردا على مسيحى! اذا سئلت مسيحى وقلت له من اى المسيحيين انت هل من الذين يقولون ان المسيح هو الله!! ام من المسحيين الذين يقولون ابن الله او بمعنى اخر (يؤمن ب) وهل يؤمن بان عيسى صلب ام شبه لهم فان قال انه يؤمن بان عيسى هو الله فكيف يستطيع المخلوق يصلب خالقه وان قال ان عيسى ابن الله من يستطيع ان يصلب اويعاقب ابن رئس دوله ولا يلقى عقابه فما بالك ابن الله وان قال انه احدهم شبه لهم وكثي منهم يقول ذلك تصديقا للقرأن الكريم طبعا فلماذا يعلقون الصليب
    وهم يعبدون من الصليب ام المصلوب المنتهى (جربت هذه الطريقه مع ايطالى فنزع الصليب وقال حقا كيف فاتنى ذلك) انتهى .. شكرا

  2. احل ان اضيف الى مقالة سيادتكم الرائعة ملحق صغير عن بولس الرسول

    بولــس الرســول

    قراءة جديدة و منظور مغاير

    كان لابد من أن تكون هناك قراءة جديدة و منظور مغاير تماما لما هو معهود من التراث المسيحى فى الشروحات المعاصرة و القديمة فى أعمال الرسل, هى الحاجة لإعادة انتاج فهم جديد حول نصوص الانجيل و التى تتضمن الجزء الخاص بأعمال الرسل و رسائل بولس المختلفة و رسالتى القديس بطرس بشىء من التدقيق و الاستفاضة و المرور الملزم على بعض ما ورد فى الاناجيل الاربعة التى تعتمدها المسيحية .
    هى الرغبة الملحة فى قراءة تلك النصوص بعيدا عن اى قدسية يحيط بها الاخوة المسيحين تلك النصوص و يعملون جاهدين على فرض قدسية و رؤية اسطورية على تلك النصوص و ينعكس ذلك أيضا على تفسيراتهم و شروحاتهم لتلك النصوص و المحاولات التوفيقية التى يبذلونها لتغطية و تمرير بعض النصوص التى تمثل إشكالية واضحة لا يمكن المرور بها دون توفير الوقت اللازم من التدقيق و التمحيص و أيضا الكثير جدا من التأمل و طرح أداة الاستفهام التى كثيرا ما نخاف من استخدامها و هى ” لماذا ؟ ”
    و إن كان هناك شخص يجب ان يحاط بقدسية فهى حق للمسيح وحده باعتباره رسول مبعوث من الله سبحانه و تعالى , و لا يدخل فى ذلك المحيط القدسى اى شخص آخر حتى حواريين النبى عيسى لأنهم من البشر و عصمتهم هو امر غير جائز فالعصمة للانبياء فقط و لا تجوز لأى شخص أخرمهما كانت مرتبته و لا احد مقدس فوق الله سبحانه و تعالى و ملائكته و انبيائه المصطفين.
    لذا نحن فى حاجة ماسة لإعادة انتاج فهم جديد لتلك النصوص من اجل فهمها على نحو أوفق و اكثر موضوعية و عقلانية تتعلق بالطبائع البشرية و ألا نرسمها فى سياق اسطورى منفصل عن البشرية و الواقع الفعلى , و البعد عن التفسيرات التى تلوى عنق الحقيقة لتصنع منه حقيقة مغايرة لما هو واقع بالفعل و تتجلى تلك الشروحات التوفيقية فى محاولتها لتبرير خصومة (بطرس/بولس) فى انطاكية على أنها خلافات بينهما فى عملية التطبيق و ليس فى المضمون الدينى و التى نجد مثيلا لها فى أعمال الخورى بولس الغفالى !!
    أن رفع القدسية عن تلك الشخصيات يعطى مساحة واسعة لمعرفة أرحب و أفق مفتوح لكشف الحقيقة كاملة, و أضافة معرفية لتلك الحقبة الهامة من التاريخ المسيحى و التى يتم تصويرها فى محيط مبالغ فيه من الميتافيزيقا و أشكال الأسطرة المتنوعة التى تتلون بها اعمال الرسل , أذن فالمطلب هو تخليص النظرة و المنظور فى تفهم سيرة الرسل و أعمالهم من كل أشكال المبالغات التى يرفضها العقل و ذلك يفتح الباب واسعا أمام تفسيرات جديدة طليعية تؤسس فكر جديد فى شرح تلك المرحلة الهامة من التاريخ المسيحى و هى حقبة اعمال الرسل.
    بالأضافة إلى أن أعمال الرسل تعتبر نصوص تاريخية و هى التى تقابل الدين الأسلامى فى السير و المغازى و التراجم للاشخاص, سرد تاريخى بحت لا يمت لأى صلة بنصوص قدسية من قريب او بعيد, فلوقا كاتب اعمال الرسل و خصوصا أعمال الرسول بولس يؤرخ لتاريخ عاصره و أحداث عاصرها و لا يتلقى معرفة لادنية توحى له و لكنه يسجل كل ما يمر من احداث عصره مثل أى مؤرخ كهوميروس اليونانى أبو المؤرخين, و كذلك كتب الأناجيل الأربعة لا يمكن اعتبارها نصوص مقدسة و لكنها نصوص تاريخية فى المقام الأول و الأخير تؤرخ لسيرة المسيح مثل كل السير التى كتبها المؤرخين المسلمين عن الرسول محمد صلى الله عليه و سلم أمثال ابن كثير و الطبرى و ابن هشام و ابن اسحاق و غيرهم من الرواة المسلمين, و لا تعتبر نصوص مقدسة و لكنها تاريخ يؤرخ لسيرة نبى الاسلام , ليس أكثر و ليس أقل, لذا ما الداعى لتلك القدسية المفتعلة التى لامبرر لها من أحاطة تلك النصوص بقدسية غير موجبة.

    لماذا بولس الرسول ؟

    قد يثار هنا تساؤل , لماذا يقوم شخص مسلم بعمل دراسة قصيرة عن السيرة الذاتية لبولس الرسول المعروف عنه فى المسيحية انه مؤسس المسيحية الثالثوية و ينسب إليه الفلسفة و علم اللاهوت المسيحى.
    الذى يدفعنى إلى دراسة شخصية و سيرة الرسول بولس هو مدى أهمية هذه الشخصية و توغل دورها فى تاسيس العقيدة المسيحية و أفكاره التى بنيت عليها الفلسفة و اللاهوت المسيحى حتى أنه تخطى باهميته و تعاليمه المسيح ذات نفسه و اصبح اعلى شأنا و مرجعية كبرى لدى الاخوة المسيحين و بدونه لا تقضى و لا تسير الامور و الاحوال لدى المسيحين و هذا يدعو للغرابة و عشرات علامات الاستفهام .
    لذلك لفت نظرى ان ادرس تلك الشخصية المؤثرة بكل هذه القوة و العمق فى الديانة المسيحية و ذلك الذى دفع كاتب امريكى مثل مايكل هـ. هارت أن يجعل بولس الرسول فى كتابه المئة الخالدون فى المرتبة الثانية بعد الرسول محمد صلى الله عليه و سلم و قبل المسيح الذى يحوز المرتبة الثالثة !!
    فهو يرى أن بولس الرسول اكثر أهمية و فاعلية فى الدين المسيحى من المسيح صاحب الرسالة ذات نفسه و لقد اصابنى هذا بالدهشة و بالفضول فى ذات الوقت اللذان دفعانى للبحث فى سيرة هذا الرجل الذى جعلت ذلك الكاتب الامريكى يضعه فى المرتبة الثانية قبل المسيح.
    بولس يعتبر مؤسس علم اللاهوت المسيحى و علم الفلسفة و الداعى لعقيدة التثليث و الفضل يرجع اليه بالأول و الاخير فى نشرها فى روما فى حين أن الرسول محمد صلوات الله عليه و سلامه هو مؤسس العقيدة و التشريع و ما تضمن ذلك من اوامر و نواهى و حلال و حرام و حدود و تعاليم اجتماعية و عبادات و كل ما يحتويه الدين الاسلامى من مجالات و كتب العلم الدينى التى حققها علماء أمتنا على مر أربعة عشر قرن ترتكز فى كل كتابتها و اجتهاداتها و علومها على الرسول كمرجعية اولى و أخيرة و لا يشاركه هذا الفضل شخص أخر و التى هى فى الاول و الأخير وحى من الله سبحانه و تعالى و الجيل الاسلامى الاول الذى شهد رسول الله ما هو ألا متبع لكتاب الله و لسنة الرسول و فقط .
    بينما بولس الرسول بحسب ما اطلعت و قرأت من كتاب الأنجيل ينفرد بما يزيد عن نصف الانجيل بما تحتويه من رسائله المختلفة و سيرته الشخصية فى اعمال الرسل و القارىء لأعمال الرسل يرى و كأن لا يوجد من هو اتقى من بولس الرسول و لا من هو فى مثل نشاطه لنشر الدعوة او فى الدفاع عنها و شرحها بوسائل ابتكارية لم يصل إليها حوارى الرسول عيسى عليه السلام الذين رافقوه طوال مشواره على الأرض و الذى وعدهم بالروح القدس التى ستؤيدهم من بعد رفعه , أثنى عشر حوارى لم تذكر اعمالهم فى اعمال الرسل الا فئة قليلة جدا على رأسها بطرس الرسول ثم لعدد محدود من اتباع الحواريين امثال حنانيا الذى كان له دور فى هداية شاول الذى هو بولس الرسول و من ثم تجد اكثر من نصف سيرة اعمال الرسل مكرسة فقط لاعمال القديس بولس الذى كان من الد اعداء المسيح ثم أكبر المضطهدين لاتباع المسيح بعد رفعه من على الارض حتى انه لما اهتدى و تاب أرتاب بعض اتباع التلاميذ فى إيمانه فكان لبرنابا الرسول دور فى ان يقدمه لهؤلاء التلاميذ و يهدىء من روعهم و رغم أنه من دواعى المنطق و الايمان المطلوب هو ان يكون دور الحواريين فى نشر رسالة المسيحية اعظم و اهم و ان يفرد لهم الانجيل القدر الاكبر من الذكر ألا أن ذلك لا يحدث بل ينفرد بهذا القدر الكبير من الاهمية و تسليط الاضواء القديس بولس الذى هو تلميذ لتلامذة الحواريين , هل رايتم المسافة الأيمانية و المكانية و العلمية التى تفصله عن الحواريين و لكنه على الرغم من ذلك أهم منهم جميعا حتى ان من علو مكانته كما تقرأ فى رسالته إلى أهل غلاطيه أنه انتقد بطرس فى انطاكية و اتهمه هو و برنابا بأنهما حادا عن الطريق المستقيم و نصب نفسه المرشد الروحى للدين المسيحى و انه الذى سيزود عن هذ الدين و يدافع عنه ضد من يسيئون إليه بسلوكهم كما اتهم بطرس بانه يعيش مثل الاممين و ليس كيهوديا !!
    يقول الداعية أحمد ديدات فى كتابه (محمد صلى الله عليه و سلم اعظم العظماء)ص 26: و طبقا لما يقوله هارت يتقاسم القديس بولس و المسيح عليه السلام شرف تأسيس الديانة المسيحة و هو هارت يعتقد أن القديس بولس هو المؤسس الحقيقى للديانة المسيحية.
    و انا لا أستطيع أن اتفادى و اتجنب الاتفاق تمام الاتفاق مع هارت من بين الكتب السبعة و العشرين التى يتكون منها العهد الجديد, نجد ان اكثر من نصفها أنما هو من تأليف القديس بولس و لو عقدنا مقارنة بين المسيح عليه السلام و بين القديس بولس فى هذا الصدد, سنجد ان المسيح عليه السلام لم يكتب كلمة واحدة من الكتب السبعة و العشرين التى يتكون منها العهد الجديد.
    يقول الداعية احمد ديدات ص 26 فى فقرة أخرى: كان القديس بولس هو المسئول الرئيسى عن تطوير اللاهوت المسيحى و هو الذى وضع أسس الدعوة إلى الدين المسيحى و القديس بولس هو الذى كتب كمية كبيرة من العهد الجديد
    يقول أيضا ص 27 : هذا هو الاعتراف االصحيح بشأن ما يطلقون عليه أسم الانجيل و عند المواجهة الفعلية مع الإرساليات المسيحية سنجد أنهم يقتبسون 100 % مما يذكرونه باتبهار انه من نصوص الكتاب المقدس مما كتبه القديس بولس.
    يقول فى ص 27,28 : و فى كل مرة تواجه فيها اى شخص مسيحى بما قاله ربه و سيده المسيح عليه السلام, فهو سيواجهك بشىء مما قاله بولس فى رسائله إلى الكورنثيين او اهل غلاطية أو اهل أفسوس أو الى الفليبين او غير ذلك.
    يقول فى فقرة اخرى ص 28 : و لا يوجد مسيحى مثقف واحد يعارض حقيقة أن المؤسس الحقيقيى للمسيحية هو القديس بولس و بناء على ذلك وضع مايكل هـ.هارت المسيح عليه السلام بالكاد باعتبار أنه رقم ثلاثة.
    و نجد ان لوقا الذى ينفرد بكتابة الجزء الاكبر من اعمال الرسل كان احد المرافقين لبولس الرسول و المقربين إليه يفرد مساحة واسعة لتعديد مآثر و امجاد و براكات بولس الرسول لذا فالسيرة تمت كتابتها من وجه نظر بولس و اتباعه دون وجه نظر الباقين مما يفقد السيرة الذاتية لاعمال الرسل حياديتها و وجوب نزع الهالة القدسية من عليها و دراستها دراسة موضوعية باعتباره نص تاريخى و ليس نص مقدس.

    من هو بولس الرسول ؟

    قد يدهش الكثيرون عندما يعرفون أن بولس هذا لم يكن أحد حوارى السيد المسيح و لكنه اهتدى على يد اتباع الحواريين! , مما يدعو إلى تساؤل آخر كيف يمكن أن يكون تابع لتابع للحواريين أن يفوقهم مكانة و علما و اهمية , هذا ما ستجيب عنه سطور الدراسة, ولد بولس فى مدينة طرسوس من كيليكية كما يقول هو بنفسه :
    ” أنا رجل يهودى ولدت فى طرسوس كيليكية” أعمال الرسل, الاصحاح 22 , الآية (3)
    “أنا رجل يهودى طرسوسى, من اهل مدينة غير دنية من كليليكية” أعمال الرسل, الاصحاح 21, الآية (39)
    و ما هى نوع الوظيفة التى كان يشغلها بولس قبل أن يتحول إلى المسيحية , كان يعمل فريسى فى الهيكل عدوا للمسيح الذى سمع به و لكنه لم يؤمن على يديه ” أنا فريسى ابن فريسى. على رجاء قيامة الأموات أنا أحاكم” اعمال الرسل , الاصحاح 23 , الآية رقم ( 6)
    و فى الانجيل / العهد الجديد – دار الكتاب المقدس فى معجم الكلمات الصعبة نجد تحت الحرف (ف) شرح معنى كلمة فريسى و هى كالتالى:
    فريسى/ فريسيون مت 20:5 الفريسى كلمة تعنى: معتزل, و هى طائفة دينية متشددة, و اتصفوا بالكبرياء و الرياء و التمسك بالتقاليد اليهودية.
    هذا هو تفسير معجم الكلمات الصعبة فى كتاب الانجيل و لكن لنرى ماذا يقول السيد المسيح عن الفريسين حيث يلعنهم و يتوعدهم بالويلات و الدينونة الأعظم و يتهمهم بالرياء و غيرها و من انجيل متى و لوقا نورد عدد من الامثلة للتاكيد على كلامنا
    ” فقال له الرب: ” انتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكاس و القصعة, و أما باطنكم فمملوء اختطافا و خبثا . يا اغبياء”
    أنجيل لوقا الآية رقم (40,39)
    ” فلما خرج الفريسيون تشاوروا عليه لكى يهلكوه, فعلم يسوع و انصرف من هناك” الآية رقم ( 15,14) أنجيل متى
    ” لكن ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون!لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس, فلا تدخلون أنتم و لا تدعون الداخلين يدخلون, ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المروؤان!لأنكم تأكلون بيوت الأرامل , ولعلة تطيلون صلواتكم, لذلك تاخذون دينونة اعظم” أنجيل متى , الآية رقم (14,13)
    نكتفى بهذه الامثلة التى تبين لنا طبيعة الفريسين و التى تتميز بالقسوة و التشدد و الاعتزال و الرياء و اكل أموال اليتامى و تصنع الطهارة الجسدية دون الطهارة الروحية و ويلات لهم من الله سبحانه على ما يقترفون من آثام و هم الذين عذبوا اتباع المسيح.
    و هو من اكبر المضطهدين لاتباع المسيح بين سجن و تعذيب و تجديف عليهم من رجال و نساء و قديسين.
    ” أما شاول فكان لم يزل ينفث تهددا و قتلا على تلاميذ الرب, فتقدم إلى رئيس الكهنة و طلب منه رسائل إلى دمشق, إلى الجماعات , حتى إذا وجد أناسا من الطريق, رجالا و نساء, يسوقهم موثقين إلى أورشليم” أعمال الرسل, الاصحاح 9 , الاية (2,1)
    ” و أخرجوه – المقصود به استفانوس – خارج المدينه و رجموه. و الشهود خلعوا ثيابهم عند رجلى شاب يقال له شاول – الذى هو بولس الرسول-. فكانوا يرجمون استفانوس و هو يدعو و يقول: ” أيها الرب يسوع اقبل روحى” . ثم جثا على ركبتيه و صرخ بصوت عظيم : ” يا رب, لا تقم لهم هذه الخطيئة” و إذا قال هذا رقد. و كان شاول راضيا بقتله” أعمال الرسل, الاصحاح 7, الاية رقم(60,58)
    و هو يفخر أنه لا يزال فريسى بل و يتقلب فى نسل من الفريسين كما يقول هو عن نفسه ” فريسى ابن فريسى”اعمال الرسل , الاصحاح 23 , الآية رقم ( 6)
    و الغريب فى الامر انه يعترف امام الصدوقيون و الفريسيون فى المجمع أنه فريسى ابن فريسى برغم أنه اهتدى و تاب عن طريق الضلال بعد ان عرف طريق النور الذى ظهر له فى الطريق إلى دمشق و هو يعلم تمام العلم أن السيد المسيح لعن الفريسين و لكن ليس هناك مشكلة فى ان يستعين ببعض ماضيه لينقذ نفسه فى المجمع و لنا فى ذلك شرح مطول عندما تحين مناسبته.
    يقول عنه الاستاذ الفيلسوف / خواجة أفندى كمال الدين فى كتابه ” ينابيع المسيحية” ص 98,99 : شاول الطرسوسى ( شاول هو اسم بولس الرسول عندما كان يهوديا و بلده طرسوس و يقول الكتاب المقدس إنه كان أشد الناس عداءا للسيد المسيح و المسيحية و المسيحين) شاول هذا الذى يقول ان عيسى ظهر له كنور و أرسله للكافرين, شاول الذى كان ألد أعداء السيد المسيح, و أعظم مضطهد لمتبعيه, عندما كان المسيح حيا على الأرض,شاول الذى لم يسمح له الوقت ان يتعلم شيئا من المسيح, شاول هذا المارق من اليهودية الممقوت من قومه, شاول الذى سمى نفسه فيما بعد بولس الرسول, شاول هذا لم يترك فرصة دون أن يشتغل فيها بين الفصائل الضالة, تلك الفصائل التى أرسل لها عيسى فقط, و كان من حيله و ختله أن يتجاهل الناموس( الشريعة) عندما يعمل بين الذين ليس لهم ناموس و يظهره عند من لهم ناموس كما يقول عن نفسه فى الكتاب المقدس.
    أذن فهذا هو شاول ذلك اليهودى المتشدد المعتزل كما يقول معجم الكلمات الصعبة فى الأنجيل عن الفريسى , شاول ألد اعداء المسيح و من بعده اتباعه , شاول الذى يحكى قصة هداه و التى تبدا من نور ظهر له فى الطريق و هو ذاهب إلى دمشق ليهديه إلى النور و يرسله من بعد ذلك لأداء مهام الدعوة التى يقوم بها بكفاءة منقطعة النظير لا تتناسب أبدا مع عداءه المستميت للسيد المسيح ,شاول الذى لم يترك فرصة سواء كانت شرعية أو غير شرعية ألا و استغلها لصالح اهداف دعوته و احيانا لينقذ نفسه من الموت و القتل والتعذيب و ذلك لا نفتريه عليه و لكنه قراءة موضوعية لما اعترف به هو شخصيا على نفسه
    ” فصرت لليهود كيهودى لاربح اليهود. و للذين تحت الناموس كانى تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس. و للذين بلا ناموس كأنى بلا ناموس – مع انى لست بلا ناموس الله, بل تحت ناموس للمسيح – لاربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شىء” اعمال الرسل , الاصحاح 9 , الاية رقم ( 22,20)
    بولس الذى رفضه التلاميذ بعد هدايته لما عرف عنه فى ماضيه من قسوة فى التعذيب و القتل و الافتراء و سجن الرجال و النساء على السواء و انه احد الذين شهدوا رجم استفانوس و حرضوا على فعل ذلك و طلبوا منه أن يعود إلى بلده فى طرسوس و لم يقبلوا ضمنيا أنضمامه إليهم.
    “و حدث لى بعد ما رجعت إلى أورشليم و كنت اصلى فى الهيكل , أنى حصلت فى غيبة, فرأيته قائلا لى: أسرع! و أخرج عاجلا من أورشليم, لأنهم لا يقبلون شهادتك عنى. فقلت: يا رب, هم يعلمون أنى كنت احبس و أضرب فى كل مجمع الذين يؤمنون بك. و حين سفك دم استفانوس شهيدك كنت انا واقفا و راضيا بقتله , و حافظا ثياب الذين قتلوه. فقال لى : اذهب, فأنى سأرسلك إلى الأمم بعيدا”اعمال الرسل , الاصحاح 22 , الآية رقم ( 21,17)
    يقول خواجة أفندى كمال الدين ص 100 ,101: لو درست كل الادبيات البوليسية بتعقل و تدبر, لظهر ان ما كان يوحى إليه, كان آتيا من مصادر اخرى بعيدة عن المصادر المسيحية و البناؤون الذين تلوا بولس فى بناء الكنيسة, وجدوا أن الطريقة البوليسية خير طريقة تحرز النجاح فى نشر الدين الجديد و تجعله شائعا بين الوثنين فاتخذوها سبيلا و ساروا عليها حتى فقد دين السيد المسيح بعد قرون قليلة كل جماله و أصبح دينا كالدين الذى تراه الآن.
    فهل يدهشك إذن أن ترى مؤتمر كامبردج لرجال الكنيسة العصرين يصل سنة 1917 إلى ان كنيسة المسيح الحالية لم يؤسسها عيسى عليه السلام !
    أذن بروية و تمهل دعونا نبدا تاريخ بولس و الترجمة لتلك الشخصية ذات الاهمية الغير منطقية فى التاريخ المسيحى , هو كما تقدم فى الذكر فريسى و هى مرتبة دينية متقدمة فى الدين المسيحى و هى المرتبة الثانية مباشرة بعد الصدوقين الذين معظمهم يكونون روؤساء المعبد أو المجمع اليهودى و هم معرفون بالاعتزال و التشدد و الكبرياء و الرياء كما تقدم ذكره فى الكتاب المقدس و هو معاصر للسيد المسيح و تصله أخباره باعتباره عدوا لليهودية و داعى لخرابها من وجه نظر اليهود و خصوصا طبقة علماء الدين فيها و مهدد لسلطتهم الدينية و عرف عن بولس ولاءه الشديد لدين اليهودية و تعصبه البالغ و كيف أنه عادى اتباع المسيح و عذبهم كما علمنا من الكتاب المقدس و من اعترافاته الشخصية و كيف أنه بعد تحوله للمسيحية عندما قبض عليه و عرض فى المجمع ذكرهم بأنه كان فريسى مخلص و معادى بقسوة و عنف للمسيحية حتى يسترق قلوبهم عليه و كانت هذه أحدى حيله و ختله كما قال خواجة أفندى كمال الدين .
    ” و كنت غيورا لله كما انتم جميعكم اليوم. و اضطهدت هذا الطريق حتى الموت, مقيدا و مسلما إلى السجون رجالا و نساء, كما يشهد لى أيضا رئيس الكهنة و جميع المشيخة,الذين إذ اخذت أيضا منهم رسائل للاخوة إلى دمشق, ذهبت لأتى بالذين هناك إلى اورشليم مقيدين لكى يعاقبوا” اعمال الرسل, الأصحاح 22 , الآية رقم (5,3)
    ” و فعلت ذلك أيضا فى أورشليم, فحبست فى سجون كثيرين من القديسين , آخذا السلطان من قبل رؤساء الكهنة. و لما كانوا يقتلون ألقيت قرعة بذلك. و فى كل المجامع كنت اعاقبهم مرارا كثيرة, و اضطرهم إلى التجديف. و إذا أفرط حنقى عليهم كنت اطردهم إلى المدن التى فى الخارج” الاصحاح 26, اعمال الرسل , رقم (10,11)
    و فيما هو ماضيا إلى دمشق ادعى أنه رأى نورا ظهر له فى السماء و أن المسيح يعاتبه برفق على عداءه الشديد لاتباعه و يدعوه لأن يتبعه و يعده بمكانة كبيرة عنده أذا أتبعه و من هنا تغيرت حياة بولس 180 درجة و انقلب إلى المسيحية مارقا عن اليهودية ممقوتا من قومه كما قال خواجة أفندى كمال الدين.
    ” فقال: أنا يسوع الذى انت تضطهده و لكن قم و قف على رجليك لأنى لهذا اظهرت لك, لانتخبك خادما و شاهدا بما رأيت و بما ساظهر لك به, منقذا أياك من الشعب و من الأمم الذين انا الآن أرسلك إليهم , لتفتح عيونهم كى يرجعوا من ظلمات إلى نور, و من سلطان الشيطان إلى الله” الاصحاح 26 , الآية رقم (18,15) , اعمال الرسل.
    و يلجأ الى أحد أتباع المسيح و هو التلميذ حنانيا التى تأتيه هو الاخر رؤية من السيد المسيح تخبره أن يذهب إلى شاول لبداية تأسيسه لطريق الهداية و يدخل عليه حنانيا فيزيل الغشاوة عن عينيه فيبصر شاول الحقيقة و لكن تلاميذ المسيح يرتابون فى أمره و يظنون أنها أحدى حيله و ختله و يرفضون التعامل معه و هذا يلقى الضوء على شخصية بولس فى أنه قبل تحوله الى المسيحية كان مشهورا بالختل و الحيل و الالاعيب و تدبير المكايد لاتباع المسيح و الذى أصبح وسيلته و منهجه بعد تحوله للمسيحية حيث أتبع نفس الأسلوب و ياتى هنا دور الرسول برنابا فى توطيد العلاقة بينه و بين تلاميذ المسيح و توثيق الصلة و يكون همزة الوصل بين بولس و تلاميذ المسيح و ينقلب عليه قومه من اليهود بعدما علموا ما كان من أمره فيساعده تلاميذ المسيح على الهروب و يعود الى مدينته و مسقط رأسه طرسوس بينما يتجه برنابا الى انطاكية الواقعة فى المنطقة اليهودية و يكرز فى الناس و يدعوهم الى المسيحية حتى ينجح فى تكوين جماعة متبعة لدين المسيح يقول عنها الكتاب المقدس أنها جمع غفير ثم يتجه برنابا إلى طرسوس يبحث عن شاول و يدعوه لان يكرز معه فى الناس بانطاكية فيذهب معه شاول يكرز فى الناس فى انطاكية و يهتدى على ايديهم جمع غفير من الناس.
    و ينبغى هنا ألا نمر سريعا على دور برنابا قبل أن يصاحبه بولس فى الدعوة الى المسيحية فى انطاكية و تأسيس جماعة تتبعه هناك و هو ما سيفيدنا فى قراءة الاحداث القادمة ذات الاهمية البالغة لأنها من شانها ان تبين المفارقة العجيبة فى صراعه مع بطرس الرسول و برنابا و اتهامه لهما بالخروج عن الطريق المستقيم و التى يفسرها الخورى بولس الغفالى على أنها أختلاف فى التطبيق و ليس فى المنهج و هو تبرير توفيقى لا علاقة له باحداث الواقع الفعلية.
    و نجد ان بولس من خلال أعمال الرسل يتلون فى خطاباته على حسب الظروف و الشعب الذى يخاطبه أو الفئة التى يتوجه إليها بكلامه, فما يذكره فى موضع يتجاهله فى موضع آخر متلونا على حسب المناخ و الظروف و المتلقى فهو أحيانا يتمسك بالناموس أشد التمسك مع الناموسين و يتخلى عنه فى مواضع اخرى للذين بلا ناموس مبررا أن الناموس يبرر الخطيئة و ان الايمان بالناموس ليس الهدف و لكن بفكرة صلب المسيح و ألوهيته و من خلال قراءتى لخطبه و مواقفه المختلفة فى المواضع المختلفة التى تتكشف فى رحالاته و انتقالاته بين الأقوام أصبت فى البداية بارتباك فى الفهم فاحيانا كثيرة يدافع عن الناموس و فى مواضع اخرى يستهجن الناموس و ينكر دوره بشده , و تصورت ان الفهم قد اختلط على و التبس على الامر فأعود لقراءة هذه المواضع مرة و ثانية و ثالثة فيتبين لى أن هذا ما يقوله فعلا و أن ما فهمته صحيحا و لكن ذهب عنى كل التباس و غموض بشان هذا الامر عندما قرات اعترافه بنفسه حيث يقول : ” فصرت لليهود كيهودى لاربح اليهود. و للذين تحت الناموس كانى تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس.و للذين بلا ناموس كانى بلا ناموس – مع انى لست بلا ناموس لله, بل تحت ناموس للمسيح – لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف كى اربح الضعفاء. صرت للكل كل شىء” الاصحاح التاسع الآية رقم (20,23) أعمال الرسل
    أذن هذه هى حيل بولس لكى ينشر دعوته الخاصة عن المسيحية ان يتشكل و يتلون وفق كل شعب و بلد و وفق شرائعهم و معتقداتهم و طبائعهم حتى يستميلهم و يدعوهم إلى صفه, فليخبرنى مبشر مسيحى هل يتبع المبشر طريقة التلون كالحرباء مع الاقوام الغير مؤمنين بالمسيحية حتى يكسبهم فى صفه و يدعوهم إلى دين المسيحية , لا احسبهم يتقبلوا ذلك , لان التشكل و التلون وفق أبسط معانيه هو اتخاذ شكل المظاهر الخارجية و خصائصه الشكلية الظاهرة غير قائلين متخذ للجوهر و هو فى حد ذاته شىء منبوذ و مرفوض لاى مبشر أن يتلون بأطباع أقوام ضالة و يتخذها سبيلا فى الدعوة إلى دينه لأن دور المبشر لدينه أن يناى بنفسه عن أن يتخلق بطبائع اقوام مغايرة له ثابتا على جوهره و شكله الخارجى حتى يصبح صادقا مع نفسه و مع الآخرين و الا فقد المصداقية و لكن بولس لا يجد ضررا فى ذلك و هو القائل على نفسه ” صرت للكل كل شىء”

  3. الأخ الفاضل .. أبو خالد ..

    بداية تقبل تحياتي لنقدك الكريم لهذه الدراسة .. وحتى أكون موضوعي في الرد .. فسوف أوجز نقدك في الثلاث نقاط أو القضايا الفكرية الأساسية التالية :

    1. الاعتراض على استخدام عبارة ” العهد الحديث ” في الإشارة إلى القرآن الكريم .
    2. الاعتراض على استخدام لفظ الجلالة ” الله ” عند عرض الفكر المسيحي .
    3. الاعتراض على استخدام وصف القرآن بـصفة ” المجيد ” / أي القرآن المجيد / بدلا من الوصف الشائع له بالقرآن الكريم .

    وتفصيل الرد على النقاط الثلاث يأتي على النحو التالي ..

    أولا : عن استخدامي لعبارة ” العهد الحديث ” للإشارة إلى القرآن الكريم .. فهذا ليس اجتهادا شخصيا .. بل له أصل في السنة النبوية الشريفة .. فعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) :

    – قال كعب عليكم بالقرآن فإنه أحدث الكتب عهدا بالرحمن

    الراوي: مغيث بن سمي – خلاصة الدرجة: إسناده حسن – المحدث: ابن حجر العسقلاني – المصدر: فتح الباري لابن حجر – الصفحة أو الرقم: 13/508

    وعن عبد الله بن عباس عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال :

    117337 – كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم ، وعندكم كتاب الله ، أقرب الكتب عهدا بالله ، تقرؤونه محضا لم يشب ؟

    الراوي: عبدالله بن عباس – خلاصة الدرجة: [صحيح] – المحدث: البخاري – المصدر: الجامع الصحيح – الصفحة أو الرقم: 7522

    وعن عمرو بن عاصم عن كعب .. قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ..

    [ .. عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ فَهْمُ الْعَقْلِ وَنُورُ الْحِكْمَةِ وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَأَحْدَثُ الْكُتُبِ بِالرَّحْمَنِ عَهْدًا .. ]

    ” سنن الدارمي ” .. حديث رقم 3193 ( موسوعة الحديث الشريف الإلكترونية : الإصدار الأول 1, 1 / شركة صخر لبرامج الحاسب ) .

    الأخ الفاضل .. فوصف القرآن المجيد بـ ” العهد الحديث ” لا يجعله متمم للكتاب المقدس بعهديه المحرفين تحت أي زعم .. فهو ” [ .. َأَحْدَثُ الْكُتُبِ بِالرَّحْمَنِ عَهْدًا ] كما قال بهذا الرسول الكريم .. والتي تعني أصدقها .

    الأخ الفاضل .. أنا لست من يجامل المسيحية بوصف القرآن بـ ” العهد الحديث ” .. ولكن أخاطب المسيحية من منظور خطاب الرسول للآخرين .. كما جاء في حديثه الشريف ..

    187230 – أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم

    المحدث: ابن تيمية – المصدر : مجموع الفتاوى – الصفحة أو الرقم: 18/338

    وكما جاء في خطابه لأمته ..

    219368 – أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم

    الراوي: عبدالله بن عباس ـ المصدر : اللآلئ المنثورة – الصفحة أو الرقم: 107

    وهذا تحقيقا لقوله تعالى ..

    [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ] ( النحل 125 ) .

    ثانيا : أخي الفاضل .. كنت أتمنى ـ قبل التسرع في الاعتراض على استخدام لفظ الجلالة ” الله ” عند عرض الفكر المسيحي ـ أن تقرأ مقالتي السابقة : ” البابا شنودة الثالث يروي : كيف صارع الإنسان ” الإله ” .. وكيف أسره ..!!! ” وهي من منشورات موقع الإسلام والعالم أيضا .. لترى محاولاتي المبذولة في رفع لفظ الجلالة ” الله ” من الكتاب المقدس الخاص بالديانتين اليهودية والمسيحية .. وسأكتفي ـ هنا ـ بإعادة سرد ما سبق كتابته في مقدمة المقالة المذكورة :

    [ امتدادا لفكر الخرافة والأسطورة في الديانتين اليهودية والمسيحية .. اعرض هذه الدراسة لأبين إلى أي مدى تدنى فكر هاتين الديانتين عن الإله الخالق المطلقة للوجود .. سبحانه وتعالى ..!!!

    وقبل البدء في هذه الدرسة ؛ ادعو الله ( سبحانه وتعالى ) أن يغفر لي هذا التجاوز اللفظي في استخدام لفظ الجلالة ” الله ” ( سبحانه وتعالى ) ـ فيما بعد ـ في مثل هذه الوثنيات الفكرية .. ولكن كان عليّ أن أروي الحدث بنفس نصوصه التي وردت في الكتاب المقدس ..!!! هذا وقد ناشدت مرارا ، ( قداسة ) البابا شنودة الثالث ( بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ) ، وما زلت أناشده ، أن يرفع هذا اللفظ ـ الله .. سبحانه وتعالى ـ من نصوص الكتاب ( المقدس ) خصوصا أن هذا اللفظ لم يرد ذكره في الأصول الأولى للكتاب ( المقدس ) والتي كتبت باللغات : العبرانية والكلدانية واليونانية ، ولكن ـ وبكل أسف ـ بدون جدوى ..!!!

    كما ناشدت ـ سابقا ـ الدكتور عبد الصبور مرزوق ( رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية / في مصر ) بأن يتقدم بطلب رسمي إلى الكنيسة المصرية لرفع هذا الاسم من الكتاب المقدس واستخدام اللفظ ” يهوه ” الذي جاء به الكتاب المقدس .. كما في النص ( المقدس ) التالي ..

    [ (18) ويعلموا أنك اسْمُكَ يَـهْوَهُ وحْدَكَ العَلِىُّ على كُلِّ الأرْضِ ]
    ( الكتاب المقدس : مزامير {83} : 18 )

    ولكن ـ وبكل أسف ـ رفض .. وكانت حجته في ذلك أن قال لي : ” كيف يعقل أن أتقدم بطلب رسمي إلى الكنيسة أهدم به معتقدها ..!!! ” . وبديهي ؛ الذي لا يعقل أن نترك هذا العالم المسيحي يظل مخدوعا في ديانة لا تعرف لإلهها اسما ..!!! وتستعير اسم إلهها من ديانة أخرى .. هي الديانة الإسلامية ..!!!

    وعموما سوف أتناول هذا اللفظ ” يهوه ” في مقال آخر مستقل ـ إن شاء الله ـ لبيان كيف تلاعبت به الكنيسة .. حتى يظل لفظ الجلالة ” الله ” هو اللفظ المستخدم في الكتاب المقدس ..!!! ]
    ( انتهى الاقتباس )

    ثالثا : أما فيما يتعلق بوصف القرآن بصفة ” المجيد ” بدلا من الصفة الشائعة ” الكريم ” .. فأرد على الأخ السائل بأن المولى ( عز وجل ) ذكر لفظ ” القرآن المجيد ” في القرآن مرتين .. كما جاء في قوله تعالى :

    [ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ] ( البروج : 21 )
    [ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ] ( ق : 1 )

    بينما ذكر لفظ ” القرآن الكريم ” في القرآن مرة واحدة فقط في سورة الواقعة :

    [ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ] ( الواقعة : 77 )

    كما جاء ذكر لفظ ” القرآن العظيم ” مرة واحدة فقط .. كما جاء في قوله تعالى :

    [ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ] ( الحجر : 78 )

    ولهذا فضلت ـ أخي الفاضل ـ استخدام الصفة التي كررها المولى ( عز وجل ) مرتين .. عن الصفة التي ذكرها المولى ( عز وجل ) مرة واحدة فقط .. لما لها ـ بالتأكيد ـ من فضل أعلى من الصفة التي ذكرها مرة واحدة . وصفة المجيد قد استأثر بها المولى ( عز وجل ) لذاته .. فلم يرد ذكر ” مجيد ” في القرآن الكريم سوى أربع مرات فقط ، مرتين لوصف الذات .. كما جاء في قوله تعالى ..

    [ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ] ( البروج : 15 )
    [ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ] ( هود : 73 )

    ومرتين لوصف القرآن المجيد على النحو السابق ذكره . وهكذا ؛ فصفة ” المجيد ” لم يسبغها المولى ( عز وجل ) على أحد سواه ( تعالى شأنه وكماله ) .. وعلى القرآن المجيد فقط ، بينما صفة الكريم وصف بها الكثير غيره .. منها : الرسول جبريل ( عليه السلام ) .. كما وصف بها الرسل ( عليهم السلام ) .. والإنسان .. والرزق .. والمقام .. بل وحتى الظاهرة الطبيعية أيضا [ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ / لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ] ( الواقعة : 43 – 44 ) . ولهذا فضلت ـ أخي ـ استخدام صفة التفرد ” المجيد ” لوصف القرآن .. عن الصفة الشائعة بين المسلمين وهي ” الكريم ” .

    [ ويبقى تنويه أخير أود أن أذكره ـ فقط ـ للعلم : عندما شارك الطاغية العراقي السابق صدام حسين المولى عز وجل في صفة المجيد .. قصمه الله .. ]

  4. شكرا ـ أخي ـ على التعليق .. وتقبل تقديري لسعة اطلاعك . أما سندهم في الناسخ والمنسوخ .. فلا يوجد ناسخ ومنسوخ في القرآن المجيد بمعنى الإلغاء .. بل هو تدرج في التشريع . وبديهي التدرج في التشريع يبدأ بالأقل قيودا ثم ينتهي بالتقييد الكامل . لأن صلاحية القرآن المجيد لكل العصور تجعل من التدرج في التشريع أمرا أساسيا .. لاحتمالات دخول الإسلام على مجتمعات لها عادات وتقاليد مشابهه للمجتمع العربي عند بداية ظهور الرسالة .

  5. أبو خالد said

    الأخ العزيز دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

    أشكرك على هذا المقال الجميل الذي أتمنى أن تتبعه بتوضيح وتفصيل أكثر حول الدور المشبوه الذي لعبه هذا الكذّاب بولس في تشويه المسيحية عن أصولها وتحويلها إلى هذا الركام من المعتقدات الباطلة والمنحرفة التي لا يقبلها أي عقل سليم.

    كما أود أن أنبهك إلى أن القرآن الكريم ليس “عهداً حديثاً” البتة، وأرجو من الأخ صاحب المدونة حذف هذه العبارة أينما وردت لأنها لا تتفق مع كون القرآن ناسخاً ومهيمناً على ما سبقه من كتب سماوية – هذا من جهة، كما أنه -من جهة ثانية – ليس بمتمم للعهد القديم أو الجديد لأن كليهما محرّف ولا علاقة لهما بالكتب السماوية: التوراة والإنجيل الذان أنزلا على سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام، وبالتالي لا يجوز وصفه بما يجعله بمنزلة المتمم.
    كما أن استخدام هذا التعبير يوحي بمحاولة منا كمسلمين إنتحال أي عذر للتقرب من فكر النصارى، وهذا ما لا نرضاه لأننا نؤمن بشمول وكمال العقيدة الإسلامية وأنها ليست بحاجة إلى محابة أو إنتحال أي لباس للتقرب من غير المسلمين كما فعل الكذاب بولس من التلون بكل الأديان ليكذب على الناس ويدفعهم لدخول المسيحية.
    إضافة إلى أنه لو كان كذلك لوصفه به النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابته وهذا ما لا نجده في مراجعنا الموثقة. لذا أكرر الطلب بحذف هذا التعبير الغريب من المقالة ومن أي مكان وجد فيه ضمن المدونة.

    كما أنني نشرت من قبل تعليقاً على مقالك حول فكرة الإله الخروف في المسيحية أنبه فيه إلى أن لفظ الجلالة “الله” محصور فقط بالدين الإسلامي (ظهر لفظ الجلالة مع ظهور الإسلام ولم يعرف قبلاً) ولا تعرفه المسيحية سواء بأصولها الأرامية المفقودة أو بالأصول اليونانية المحرّفة. وما محاولة الترجمة العربية لاستخدام لفظ الجلالة إلا محاولة تافهة لربط كتابهم المحرّف بالقرآن الكريم في محاولة سخيفة لإقناع رعاياها العرب بها وكمحاولة لجذب المسلمين إليها (من باب التنصير) بإبراز تشابهها مع الدين الإسلامي تمهيداً لتضليل العامة وضعيفي الإيمان من المسلمين. وإلا فإن لفظ الجلالة “الله” مقتصر حصراً على الدين الإسلامي. وفي الأصول اللاتينية والإنجليزية التي ترجمت عنها نسخة الكتاب المقدس العربية تجد كلمة God ولا تجد كلمة Allah، مما يدل على أن استخدام لفظ الجلالة هو محاولة مشبوهة من الكنيسة للتدليس (وعلى فكرة سؤال يطرح نفسه: من الذي يسرق من كتاب الآخرين الآن؟ أليست الكنيسة تسرق اللفظ من القرآن الكريم!).

    وختاماً أحب أن أشير إلى أنني أفضل استخدام تعبير “القرآن الكريم” بدلاً من “المجيد” لشيوع التعبير الأول بيننا كمسلمين ولسنا بحاجة إلى نحت تعابير جديدة فما لدينا يكفي وخاصة إذا كان صواباً شائعاً ومشهوراً لدرجة أصبح معها علامة على الإسلام.

    شكراً لك يا أخي مرة أخرى على مقالك وبانتظار المزيد، جزاك الله خيراً وجعله في ميزان حسناتك يوم القيامة.

  6. salam7 said

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة:
    أولا أحب أن أشكر الأخ صاحب المدونه والاخ مسلم أبوعمر على ردهم على سؤالي السابق الذي أرسلته فجزاكم الله خيرا.وللاخ الكريم
    الدكتور محمد الحسيني .
    مقاله أكثر من رائعه فعلا .ولكن سيبررون لك المعميه ابصارهم كلام بولص عن نفسه وإعترافه بغباءه بأنه تواضع منهّ!!!!تصدق يا أخي الكريم.كنت أتناقش مع النصارى عن نسب السيد المسيح الذي ورد في لوقا الاصحاح الثالث وفي متى.وإختلاف النسب بين السلسلتين .هذاك عاداك عن أنه إله لديهم فكيف يكون له نسب يرجع إلى يوسف النجار أو داوود !!سأنقل لك تبريراتهم السخيفه:
    تقول أحدهم:
    نسب يسوع فقد أجبناعنه سابقا وهو ما يسمى بشريع ” بيت مخلوع النعل” فعد إليه، وبالتالي فيه لاهوت كبير ومعانٍ لاهوتية وكتابية غنية لا أجد لك طاقة على احتمالها وأنت المتعلق بالحرف تعلقا يقتل كل ابداع.
    أما عن الذي ينتسب إلى عائلة فيها زناة تقع عليه اللعنة، فالمسيح حمل لعنتنا، أخذ منا اللعنة وأعطانا النعمة.
    أما عن نسب المسيخ البشري فبالطبع ليس له نسب بشري، وهو “روح الله وكلمته” انما أخذ هذا النسب بالتبني، خذ مثلا، زيد ألم يأخذ نسب محمد نبيك قبل أن يتزوج زوجة ابنه في هذه الحادثة التي مهدت لإلغاء التبني!! (أما كان يُلغى التبني بدون هذه الفضيحة التي تبررونها دون جدوى)
    نحن المسيحيين تبنانا الله فصرنا أبناءه وأنا أفتخر أنني بنت الله، كما أصلي ” أبانا الذي في السماوات…”
    وآخر يقول:
    وبالنسبة الى سلسلة نسب المسيح والنساء بة فنجد به
    1. راحاب : هى امراة زانية من اريحا ( يش 2)
    2. راعوث: هى امراة موابية
    3. ثامار : زنت مع يهوذا ( تك 38)
    4. بثشبع ( 2صم 11 ) زنى معها داود

    فما هى الاسباب التى جعلت الله ياتى من نسل هؤلاء الخطاة؟؟؟؟

    اولا : تحطمت الحواجز بين اليهود والامم لان راحاب وراعوث امميتان وبذلك نرى فى بداية الانجيل عمومية وشمول محبة الله للجميع فى العهد الجديد

    ثانيا: تحطمت الحواجز بين المراة والرجل فقد زال روح الازدراء وامام الله يقف الرجال والنساء متساويين

    ثالثا: تحطمت الحواجز بين القديسين والخطاة فاعطى الله الفرصة للخطاة لدخول ملكوتة عندما قال ( لم اتى لادعو ابرار بل خطاة للتوبة ( مت 9 : 13 )

    وان قلنا لماذا لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر ( تث 23 : 2 ) وهنا فى الانجيل تم ادخالهما .. نقول انة ولماذا هناك الناسخ والمنسوخ فى القران وتبديل الله لاياتة ..

    لماذا تفهم تغيير القبلة من الاقصى الى المسجد الحرام ولماذا تفهم انه بعدما حرم الله لمحمد ازواجة احلهم لة .. ولاتفهم هنا ان الله فتح محبتة للخطاة وارانا رحمتة فى الانجيل كما ارانا عدلة فى التوراة
    ثم الست تؤمن ان ام واب نبى الاسلام عاشا وماتا مشركين اى انهم بنص قرانى صريح هم انجاس وايضا كل جدود نبى الاسلام “انما المشركون نجس” اليس كذلك؟؟؟ولماذا لايذكر لنا القران سلسلة نسب محمد فلو اتبعنا نفس طريقة تفكيرك فيجب ان نؤمن ان محمد لم يأتى من ولادة جسدية لان القران لم يذكر نسبه ولكن الحقيقة انه لم يذكرهم لانهم فى نظره انجاس “فانما المشركون نجس” وهو نص قرانى صحيح
    ومن الحقائق الواضحة أنَّ نسب الإنسان محدَّد بسلسلتين من النسب لا ثالث لهما, إحداهما من أبيه, والثانية من أمه. لم يكن يوسف الأب الجسدي ليسوع, ولكن كان لا بد أن يُنظر إليه على أنه أبوه فيما يتعلق بسلسلة نسبه, بحسب نظام الشريعة اليهودية. ولذلك يكتب متى نسب يسوع من جهة أسرة يوسف. وفي روايته بعد ذلك عن مولد المسيح يركز على دور يوسف باعتباره وليّ أمره الطبيعي, وباعتباره خطيب مريم أمه.
    و نجد مفتاح نسب يسوع كما ورد في إنجيل لوقا. ففي قائمة السَّلف الذين يذكر أسماءهم لا نجد ذِكراً لامرأة. ورغم أنه يركز على دور مريم في ولادة المسيح, إلا أنه عندما يأتي لسلسلة نسبها لا يصف يسوع كابن مريم, بل “كما كان يُظنّ ابن يوسف” بمعنى أنه حتى يحتفظ بسلسلة النسب من الذكور, وضع اسم يوسف بدلاً من اسمها. وقد كان لوقا حريصاً جداً أن يذكر كلمة “يُظَن” في سلسلة النسب حتى لا يكون هناك أي لبس بشأنها, وحتى يُفهم قرّاءه أنها ليست سلسلة نسب يوسف
    لا أريد أن أطيل عليك ولكن قلت لهم بإختصار :
    لم يستطع أي منهما تبرير إختلاف سلسله النسب بين متى ولوقا.ثم الذي يقول لوقا كتب أنه يظن.قلت له يا أخي أليس لوقا كتب كتابه بوحي من الروح القدس؟هل الروح القدس يظن أن المسيح أبن يوسف؟؟؟؟؟ثم قلت للاخرى التي تدعي أن المسيح فدانا .اين قال لكم المسيح أنه جاء ليفديكم بالضبط ومن أجل خطاياكم؟؟هل تعلم بماذا ردوا علي؟؟
    لقد حوروا الموضوع وأقسم بالله وتجاهلوا هما الاثنان سؤالي عليهم هذا وبداوا يعيدون علي مواضيع رددت بها سابقا عليهم مثل (قصه زيد والتبني ورضاعه الكبير ومكانه المراه في الاسلام ونسخ أحاديث موضوعه!!!!لا أفهم يا أخ إسلام لم إسلوبهم دائما ترديد كلام رددنا عليه سابقا والمصيبه أنه في نفس المقاله يعيد علي الناسخ والمنسوخ وكان ردي على واحد آخر سأل نفس هذا السؤال مازال موجودا في نفس المقاله !!تخيل!!!
    سامحني على طول تعليقي.وتقبل تحياتي مره أخرى

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 41 other followers