الإسلام و العالم

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ

البابا شنودة: المسيحية لا تحرّم الخمر ونستخدمها في الأسرار المقدسة

الخمر بين الإجتناب في الإسلام وكونها جزء من العقيدة النصرانية

 

لقد كرّم الله الإنسان وفضّله على كثير ممن خلق وأنعم عليه بنعمة العقل. وقد جعل الله من لا عقل له غير مكلف شرعاً مهما كان سليم البدن وذلك لأن العقل مناط التكليف. وقد أمرنا الله عز وجل بالحفاظ على تلك النعمة العظيمة وعدم المساس بها بأي شيء قد يؤثر عليها. ولذلك حرّم الله في الإسلام شرب الخمر أو تعاطي المخدرات أو ما شابه من مواد قد تُغيّب العقل.

الأمر يختلف كثيراً في النصرانية: فالخمر تُستخدم في سر التناول ويؤمن النصارى أنها تتحول إلى دم يسوع (والخبز يتحول إلى جسده) بعد حلول الروح القدس عليها. ولذلك لا يمكن إقامة هذا السر ـ من الأسرار السبعة المقدسة ـ إلا بالخمر. وهذا يعني أن الخمر جزء أساسي في العقيدة النصرانية لا يمكن الإستغناء عنه.

ولو سألنا النصارى عن الخمر في النصرانية لوجدنا إجابات مختلفة ولكن كثير منهم سيدّعي ـ إما جهلاً أو خجلاً ـ أن الخمر حرام في النصرانية. ولكن لكي نعرف حكم الخمر الحقيقي في النصرانية، سنعرض فيديو للبابا شنودة وهو يجيب على سؤال لأحد النصارى بخصوص هذا الموضوع ثم نناقش محتواه بإذن الله.

   

 

 

بعد أن شاهدنا الفيديو لنا عدة ملاحظات:

أولاً: السؤال الذي وجهه السائل للبابا شنودة يثبت تخبط النصارى وعدم وضوح شريعتهم بالنسبة لهم. فنجد أن هذا النصراني يعتقد أن الكتاب المقدس يحرّم الخمر بينما إجابة البابا شنودة تثبت عكس ذلك. فلو سألنا مسلم يشرب الخمر عن حكمها في الإسلام لقال أنها حرام بالرغم من شربه لها. أما النصارى، فنجد أن شريعتهم غير محددة وغير واضحة ولا نجد عندهم ما يعرف بالمعلوم من الدين بالضرورة. وهذا بالطبع ناتج عن تحريف الكتاب المقدس ودخول أهواء البشر في كتابته.

ثانياً: يقول البابا شنودة أن هناك فرق بين الخمر والمُسكر مستشهداً بما ورد في لوقا 15:1 (وخمرا ومسكرا لا يشرب). وهذا النص لا يمكن إستخدامه في إستنتاخ أن الخمر غير مُسكرة ولكن يمكن إستنتاج أن الخمر مُسكرة ولكن هناك خمور أقوى من أخرى في الُسكر ويبدو هذا واضح من إستخدام strong drink في الترجمة الإنجليزية (and shall drink neither wine nor strong drink).

وقد ناقض البابا شنوده بذلك نفسه عندما ذكر افسس العدد 5:18 (ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة) (And be not drunk with wine, wherein is excess) وهو نص يثبت أن الخمر مُسكر مثله مثل نصوص كثيرة من الكتاب المقدس مثل التكوين العدد 21:9 (وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه).

ثالثاً: يحاول البابا شنودة جعل الفرق بين الخمر والمُسكر يعتمد على نسبة الكحول. ولكن الحقيقة هي أن نسبة الكحول تحدد الكمية المطلوبة للوصول إلى حالة السُكر وليس كون المادة مُسكرة أم لا. فمثلاً البيرة ـ وهي أقل المشروبات الكحولية في نسبة الكحول ـ تحتوي على نسبة 4% إلى 6% من الكحول (نفس النسبة الموجودة في الأباركة المستخدمة في سر التناول في الكنائس) ولكنها مُسكرة ولكن الأمر يحتاج إلى كمية أكبر من البيرة للوصول إلى حالة السُكر التي يمكن الوصول لها بشرب كمية أقل من خمر به نسبة أكبر من الكحول. ولكن تبقى الحقيقة وهي أن كل ما يحتوي على كحول – مهما قلت نسبته – فهو مُسكر.

رابعاً: من المعروف علمياً أن الكحول سريع الإمتصاص في المعدة والأمعاء الدقيقة ويصل بسرعة إلى مجرى الدم ثم يتخلل كل أنسجة الجسم بسهولة شديدة ومنها خلايا الجهاز العصبي المركزي. ويؤثر الكحول ـ حتى لو كان بكمية ضئيلة جداً (حوالي 0.03%) ـ على وظائف الخلايا العصبية ويبطيء من إنتقال التيارات العصبية فيما بينها مما يؤدي إلى تقليل التركيز وإختلال في الحركة مع عدم القدرة على الحكم الصحيح على الأشياء. وتتصاعد الأعراض مع زيادة نسبة الكحول في الدم ويفقد الجهاز العصبي وظائفه تدريجياً حتى حدوث غيبوبة وإنخفاض شديد في معدل ضربات القلب قد يؤدي للموت عند تركيز 0.35%. وإذا وصل التركيز إلى 0.50% فإن الجهاز العصبي المركزي ينهار مما يؤدي للموت.

المشكلة تكمن في أن الخمر في بداية تناوله يؤدي إلى شعور بتحسن في المزاج مع نشوة ثم يبدأ الجسم في طلب المزيد من الكحول مما يجعل شارب الخمر يطلب المزيد منه. وكلما زادت نسبة الكحول إحتاج الجسم إلى المزيد منه وهكذا.

هنا يكمن الإعجاز العلمي والتشريعي في الحديث الشريف:

( عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام” )

فهذا الحديث يقطع الطريق على الإنسان في أن ينزلق ـ متأثراً بالشعور الزائف بالنشوة في بداية تناوله للخمر ـ إلى تناول كميات أكبر ثم الوصول لحالة الُسكر أو حتى الموت كما شرحنا.

ولذلك فإن ما ذكره البابا شنودة بأن النصرانية لا تحرّم الخمر ولكن تحرّم الُسكر غير دقيق وينافي الحقائق العلمية عن كيفية الوصول إلى حالة الُسكر. فلو كان هذا التشريع من عند الله، لعمل على سد الذرائع كما في التشريع الإسلامي.

هذا وقد ذكرنا تأثير واحد فقط للخمر على الجهاز العصبي المركزي. فما بالنا بالتأثيرات الأخرى على كل أجهزة الجسم وخاصة المخ والكبد والجهاز الدوري والهضمي والبولي والمناعي وكذلك الحالة النفسية.

وقد قال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:

( الخمر أم الخبائث )

خامساً: ذكر البابا شنودة أن النصرانية لا تحرّم الخمر كمادة وهذا يعني أن جميع الأنشطة المتعلقة بها (من عصر وتصنيع وبيع وتجارة ونقل وتوزيع وتقديم… إلخ) غير محرّمة. أما في الإسلام، فكل الأنشطة المتعلقة بالخمر محرّمة كما جاء في الحديث الشريف:

(عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه” )

ولنا الحق أن نسأل أيضاً عن تجارة المخدرات ومدى تحريمها في النصرانية في ضوء قاعدة “النصرانية لا تحرّم المادة”!!!

سادساً: يقول الكتاب المقدس أن الخمر يمكن إستخدامها في التداوي كما جاء على لسان بولس في تيموثاوس الأول العدد 23:5

( لا تكن في ما بعد شراب ماء بل استعمل خمرا قليلا من اجل معدتك واسقامك الكثيرة )

وقد أثبت العلم أن الأثار الجانبية للكحول كدواء أكثر من منافعه وبالتالي تم البحث عن بدائل له في الأدوية الحديثة.

وهنا يجب أن نتأمل إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم على رجل سأله عن الخمر فنهاه عنها. فقال الرجل “إنما أصنعها للدواء” فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

( إنه ليس بدواء ولكنه داء )

والفرق واضح بين الشريعتين…

سابعاً: إذا كان السُكْر حرام في النصرانية، فنحن أمام معضلة تهدم عقيدة الفداء التي تتطلب أن يكون الفادي بلا خطيئة. ففي أول معجزات يسوع قام بتحويل الماء “الطاهر” إلى خمر “مُسكر”. وقد وصف رئيس المتكأ الخمر التي صنعها يسوع من الماء بأنها “خمر جيدة” وهو وصف للخمر المُسكرة والتي يجب أن يتم تقديمها في البداية ثم بعد أن يسكروا يتم تقديم الخمر الرديء. جاء ذلك في إنجيل يوحنا الإصحاح الثاني:

( 9 فلما ذاق رئيس المتكإ الماء المتحول خمرا ولم يكن يعلم من اين هي. لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا. دعا رئيس المتكإ العريس 10 وقال له. كل انسان انما يضع الخمر الجيدة اولا ومتى سكروا فحينئذ الدون. اما انت فقد ابقيت الخمر الجيدة الى الآن. 11 هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل واظهر مجده فآمن به تلاميذه )

أليست مساعدة بعض الأشخاص على خطيئة السُكْر بتصنيع خمر “مُسكر” لهم خطيئة؟ إذا لم تكن خطيئة، فهناك تناقض في نصوص الكتاب المقدس وهذا دليل على تحريفه!!! وإذا كانت خطيئة، فهذا يدل على فساد عقيدة الفداء والصلب التي تتطلب أن يكون يسوع بلا خطيئة!!!

ثامناً: يقول البابا شنودة لو حرّمنا الخمر بتاتاً، إذن لا نستخدمه في الأسرار المقدسة ـ يقصد سر التناول. وهنا يجب أن نسأل عن طبيعة هذا الدين الذي تعتبر الخمر جزء من عقيدته ولا يمكن الإستغناء عنها!!! ولكن قد يزول العجب إذا عرفنا أن سر التناول مأخوذ من الديانات الوثنية التي كانت منتشرة في الدولة الرومانية كما أوضحنا في مقال سابق بعنوان عيد الميلاد المجيد (الكريسماس)… ودليل آخر على الجذور الوثنية للنصرانية.

لو قارنا هذا بالإسلام، لوجدنا أن القرآن الكريم يأمرنا أن نجتنب الخمر:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } (سورة المائدة)

والإجتناب من أشد درجات التحريم وهو أمر بالإبتعاد عن الخمر وعن كل ما يتعلق بها أو يساهم فيها أو يؤدي لها كما ورد  في الحديث الشريف:

(عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه” )

تاسعاً: ذكر البابا شنودة في نهاية كلامه أنه يحرّم الإستخدام السيئ للخمر أو تناولها بلا سبب!!! وهذا الكلام يفتقد للدليل من الكتاب المقدس ولا يمكن أن يشكل شرعاً لأنه كلام هلامي  ويستطيع أي إنسان أن يفسره كيفما يشاء وحسب هواه ـ وهو بالضبط ما أراده البابا شنودة. فيستطيع نصراني يرغب في شرب الخمر أن يقنع نفسه بأن إستخدامه لها لن يكون إستخداماً سيئاً وأن له أسبابه. ويستطيع أن يفهمه نصراني آخر بأن الخمر حرام إذا كان يعتقد بضررها. كل ذلك نتيجة عدم وجود نص في الكتاب المقدس يحرّم شرب الخمر بل على العكس تستخدم في الأسرار المقدسة. وفي نفس الوقت فإن شربها لا يتفق مع الفطرة السليمة. فكان يجب أن يتم تقديم إجابة ترضي جميع الأطراف.

 

مما سبق، يتبين لنا الفرق الشاسع بين تشريع من عند الله يحافظ على الإنسان وعقله وتشريع آخر مأخوذ من الديانات الوثنية لا يحرّم الخبائث. ولذلك سنستمر في قول…

 

الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة

 

إقرأ أيضاً

عيد الميلاد المجيد (الكريسماس)… ودليل آخر على الجذور الوثنية للنصرانية

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s