الإسلام و العالم

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ

الإلحاد .. للخروج من المأزق

ليس من الصعب ـ على الإطلاق ـ البرهنة على وثنية وخرافة الديانة المسيحية ، ولكن الصعب ـ كل الصعب ـ أن نجعل المسيحية تنصت إلينا .. كما سنرى في هذه المقالة ..!!!

 

*******

 

الإلحاد .. للخروج من المأزق [1]

دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

 

[ .. لقد عز عليّ أن أهجر دين آبائي وأسلم لدين مازال عندي يمثل دين الخصوم الذي طـالما سمعت ولقنت بأنه دين غير سماوي ، رغم إعجابي به ورغم الحقائق الذي عرفتها عنه . فكان عنادي وتعصبي يغلبان على عقلي واقتناعي .. وفي نفس الوقت لم استسغ أن استمر في خداع نفسي بالانتساب إلى المسيحية وأنا غير مقتنع بها .

ولهذا ؛ رأيت أن أخرج من تلك الدوامة بإنكار الدين جملة وتفصيلا وإنكار وجود الخالق سبحانه وتعالى .. وسولت لي نفسي بأن الدين خرافة كما كنت أسمع من الأفكار الشيوعية والإلحادية وقد ساعد على استساغة هذا الاتجاه صبوة الشباب والرغبة في التحرر من القيود التي يفرضها الدين ..

كان أول ما استهوته نفسي هو الإلحاد .. فأعلنت لنفسي إنني ملحد . استخف بكل ما جاءت به الأديان .. فلا حرام ولا حلال .. ولا خطيئة ولا حتى عيب .. فكل ذلك أصبح عندي من وضع البشر ..

كنت أخادع نفسي بالإلحاد ولكني لم أتعمد ذلك ، فقد كنت مدفوعا إلى ظني ذلك دفعا نتيجة الصراع النفسي الذي كنت أعيشه وأعانيه .. وقد كان قاسيا جدا .. فكان لابد الخروج من الأزمة بقرار ما .. وبحل يريحني من الصراع والتأرجح بين المسيحية : الدين العزيز على قلبي لأني ورثته وألفته ولم أعد مقتنعا به عقليا .. وبين الإسلام : الدين العزيز على عقلي لأني اقتنعت به .. ولكنه بغيض إلى نفسي بالوراثة .. وكان الخيار أمامي أحلاهما مر ..!!!

وقد بدا لي لأول وهلة .. أن اللجوء إلى الإلحاد هو المنقذ لي من الصراع الذي كان دائرا في نفسي . وظننت ـ واهما ـ أن الذي يكذب بوجود الخالق يعفى من المسئولية . أو أن الذي يعتقد بأن ليس هنـاك حساب ولا عقاب في الآخرة ينجو منه لمجرد اعتقاده في هذا .. كما يظن ذلك الملحدون . ورغم أنني اتجهت إلى الإلحاد كمخرج .. إلا أنني كنت صادقا مع نفسي وجادا في بحثي عن الحقيقة . لذا عزمت على تطبيق ما اعتقد ( أي الإلحاد ) في حياتي اليومية لأنني أريد تطبيق ما اعتقد بشجاعة .

وقبل أن أشرع في التطبيق فكرت فيما يدور حولي من أمور . وجدت أن تحريم الزنا والقتل والسرقة والظلم .. قد جاءنا عن طريق الدين . فأخذت أتخيل مجتمعا يعيش في الإلحاد على أنه حقيقة الحياة . فلم أجد ما يمنع أحدا من أحد في عقيدة الإلحاد . كما لم أجد فيها ما يصون حرمات الناس ولا حتى حرمة الأم والأخت ولا دم الجار أو ماله أو عرضه .

وعلى هذا النحو من الافتراضات تصورت مجتمعا صاخبا مائجا غارقا في أقذر الجرائم التي تمجها النفس البشرية . وتشابكت الأفكار في رأسي حتى ضقت ذرعا بها وخفت من هولها . فأدركت في ثلاثة أيام فقط أنني مخطئ ولا يمكن أن تكون تلك هي الحقيقة التي تبنى عليها الحياة الإنسانية . كما لم يقبل عقلي خرافة عدم وجود الخالق .. ولم تطمئن نفسي إلى هذا الافتراض السيئ لأنه مغالط للفطرة ومناف للعقل السليم . ]

( انتهى )

كانت هذه كلمات الكاتب ” عبد الله سعد ” قبل تحوله من المسيحية إلى الإسلام [2] . فـ ” عبد الله سعد ” نشأ في أسرة مسيحية ملتزمة .. وبدأ حياته التعليمية في مدارس التبشير الأمريكية . وعلى إثر خلاف حدث بين والده وبين المدرسة نقله أبوه إلى أحد مدارس الأقصى وفيها بدأت صلته بالدين الإسلامي والسماع عنه .. بعد أن تغير الوسط المحيط به ليشمل مسلمين ومسيحيين معا .. بعد أن كان الوسط الذي يحيا فيه من المسيحيين فقط في مدارس التبشير .

وتتلخص قصة هداية الكاتب ” عبد الله سعد ” إلى الإسلام في محاولته البحث عن الله سبحانه وتعالى .. في الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام . وقد نهج الكاتب في بحثه الجانب المنطقي والعقلاني البحت .. وانتهى منه إلى أن ” الله ” ( عز وجل ) لا يوجد بمعناه المنزه إلا في الدين الإسلامي . ولم يتعرض ـ عبد الله سعد ـ لكل ما هو أسطوري وخرافي .. على النحو الذي بينته في الكتاب الأول من هذه السلسلة .. بل اكتفى بالتحليل المنطقي لما ينبغي أن يكون عليه ” الله ” ( عز وجل ) من صفات وكمالات . واعتقد أنه لو عرف عبد الله سعد .. منذ بداية بحثه ـ عن الله ـ بالفكر الأسطوري والخرافي الوارد في الديانة المسيحية على النحو الذي بينته في الكتاب الأول من هذه السلسلة .. ما تكبد كل هذا العناء الذي بذله في الانتهاء إلى رفض اليهودية والمسيحية كديانتين سماويتين بشكلهما الحالي .

وقد رأيت أن أعرض لقصة إسلام الكاتب ” عبد الله سعد ” ـ كذلك ـ لما فيها من رؤية شخصية وصراع نفسي عميق يمكن أن يكون صورة متكررة لكل من ترقى نفسه لاعتناق الدين الإسلامي بعد أن يتبين له الحق خصوصا وأن هذا الحق سهل المنال . وقد انتاب عبد الله سعد كثيرا من الهواجس النفسية العنيفة .. كما اجتاحته المعاناة النفسية الشديدة والتأرجح والتردد قبل أن يتخذ قراره النهائي باعتناق الإسلام .

ويؤكد عبد الله سعد على أن نشأة الطفل المسيحي تتسم ليس فقط بالخوف من الدين الإسلامي .. بل تتسم أيضا برفض وكراهية الإسلام . وبالتالي فإن الطفل المسيحي ينشأ على رفض الحوار على نحو قطعي مع المسلمين .. كما يكره الإنصات إليهم . ومن هذا المنظور لم يتوجه عبد الله سعد بقصته هذه ( في كتابه السابق الإشارة إليه ) إلى المسيحيين لعلمه المسبق بموقفهم من الإسلام .. ولكن توجه بقصته هذه إلى كل من يوفقه الله على الاطلاع عليها سواء كان من المسلمين أو المسيحيين . ولهـذا جاءت مقدمته في كتابه ” كنت نصرانيا .. “[3] على النحو التالي ..

[ ولم أر توجيه القصة لغير المسلمين أمرا مجديا إذ تكفي كلمة واحدة أو إشارة عابرة إلى أن القصة تتعلق بالإسلام كي يصد عنها المسيحيين إلا القليل النادر . لأن من عادتهم الإعراض عن كل شيء يتطرق إلى فضل الإسلام أو الحديث عنه إجمالا بسبب ما ورثوا من مخاصمة للدين الإسلامي بلا دليل ولا إثبات إلا من دعوى سمعوا بها من أسلافهم لا يسندها عقل ولا نقل ويعوزها كل دليل ] .

( انتهى )

ويرى ـ الكاتب عبد الله سعد ـ أن حزن المخالفين لمفارقته لهم .. هو من قبيل حزن إبليس على مفارقة من كان يوما أحد أوليائه . كما يؤكد على أن القائمين على التبشير بالديانة المسيحية يكذبون ويحتالون كي يستميلوا الآخرين إلى الديانة المسيحية بأساليب وضيعة لينتسب إليهم الناس .

ويبين كيف يضيقون العيش على فقراء المسلمين في بعض بقاع الأرض ويسدون في وجوههم طرق الكسب ليضطروهم إلى اتباع ما يسمونه ظلما : ” المسيحية ” مقابل لقمة العيش ..!!! ويقارن هذا بين موقفهم .. وبين موقف الخليفة العادل عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه ) عندما وضع الجزية عن اليهودي العاجز وأمر له من بيت مال المسلمين بنفقة .. ليبين أن الإسلام هو الدين عند الله .. وأنه يكفل حرية الاعتقاد للذميين ويعاملهم بشهامة ونبل .

 

ويقول عبد الله سعد :

[ لقد تعلمت من الإسلام حرية التفكير وأسس التفكير العقلي السليم وحرية الاختيار ( وهو يتفق في هذا مع الدكتور القس إكرام لمعي / مدير كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة ) . كما تعلمت أن اتخذ القرار الذي اقتنع به .. وأن أناقش نفسي فيما تفعل ولماذا تفعل ؟ لم أعد أقبل أن يكون عقلي مستسلما لما ألفت ولما ورثت دون اقتناع ( ص : 53 ) . وبعد هذه المؤهلات الجديدة لم أعد مقتنع بالمسيحية وما فيها من الطلاسم والأسرار والتثليث .. و ” ابن الله ” و ” أم الله “ .. والاعتراف للخوري ( الكاهن أو القس ) بالذنوب .. وبلع الخبز المغموس في الخمر ليتحول إلى دم المسيح .. لمغفرتها . وإحراق الشموع أمام التماثيل التي نصبوها للمسيح وللعذراء أو الصليب .. وأشياء كثيرة يسمو العقل عن قبولها إلا أن يكون مكنونا بغشاوات من التعصب والتقليد الأعمى . وإذا سأل سائل عن تلك الأمور جاء الجواب إما هذا سر [4] لا يعلمه إلا الله .. وإما هذا رمز لكذا وكناية عن كذا .. وكذا ..!!!

كما خوّل حق التحليل والتحريم إلى الكنيسة .. وهي في اعتقادهم أنها معصومة من الخطأ . وكيف تكون الكنيسة معصومة ؟ يقولون هذا سرّ عصمة الكنيسة . كما كان لا يجرؤ أحدنا على الشك في شيء أو مناقشته لئلا يتهم بالكفر .. فعلى المسيحي أن يتلقى كل ما يفرض عليه من معتقدات دون مناقشة أو وزنها بميزان العقل قبل تصديقها .

وفي المقابل .. نجد أن الإسلام دين مفتوح لجميع خلق الله . دين علني ليس فيه أسرار تكتم عن عامة الناس ولا حتى عن خصوم الإسلام . فقد كنت نصرانيا بين المسلمين لم أحس يوما ما .. أن هناك شيئا من الدين يمكن أن يكتم عن أي إنسان .

لقد كان واضحا لي أن نظرة الإسلام للمسيحيين نظرة رأفة يرمقها القوي الواثق إلى الضعيف المغرر به . وبالعكس فموقف المسيحيين من المسلمين موقف الضعيف المهزوز الذي يخاف على عقيدته وكيانه من أي شيء . بل ويخشى حتى من القشة التي تهب بها الريح .. فيحسبها صاعقة نزلت عليه لأنه يدرك مدى ضعفه وإمكانية تقويض أساسه بسهولة ( ص : 45 ) . فكيف لا يخشى المسيحي من الإسلام العظيم الذي يمثل كل الخطر الحقيقي على باطله وفساد طويته ..؟!!! ]

( انتهى )

وفيما يلي سوف أعرض باختصار لفكر الكاتب عبد الله سعد ـ وعلى لسانه ـ لرحلة البحث عن الله ( عز وجل ) في الأديان الثلاثة .. اليهودية والمسيحية والإسلام .. أي رحلة البحث عن الله في الكتاب المقدس والقرآن المجيد ..

 

البحث عن الله .. في اليهودية ..

بعد خطيئة آدم وحواء بأكلهما من شجرة المعرفة ..

[ (22) وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر . والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد . ] [5]

( الكتاب المقدس : التكوين : {3} : 22 )

قد صار كواحد منا .. في العلم وفي معرفة الخير والشر . وهذه تتمة في المشابهة في الظاهر . ثم دون سابق تمهيد أو إشارة إلى أبناء الله وبنات الناس .. فوجئت بما يلي ..

[ (1) وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات . (2) أن أبناء الله (the sons of God ) رأوا بنات الناس ( the daughters of men ) أنهنّ حسنات . فاتّخذوا لأنفسهم نساء من كل مـا اختـاروا . (3) فقال الرب لا يدين روحي ( لن يمكث روحي مجاهدا [6] ) في الإنسان إلى الأبد . لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مئة وعشرين سنة . (4) كان في الأرض طغاة في تلك الأيام . وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا . هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم . (5) ورأى الرب إن شر الإنسان قد كثر في الأرض . وان كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم . (6) فحزن الرب انه عمل الإنسان في الأرض . وتأسف في قلبه . (7) فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته.الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء . لأني حزنت أني عملتهم . (8) وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب . ]

( الكتاب المقدس : سفر التكوين : {6} : 1 – 8 )

كان عدم التسلسل المنطقي أو القصصي في سرد تلك الأخبار وترك فجوة واسعة بين الإصحاحات الأول إلى الخامس .. وبين الإصحاح السادس مزعجا لي للغاية . وكان ذلك يوحي بنقص في توفر المعلومات لذلك المصدر ( أي التوراة ) مما يوهن الثقة فيه .

فكرت في أبناء الله .. من هم ؟ وبنات الناس ـ هنا ـ يردن لأول مرة بهذا اللفظ . فأي ناس وأي بنات لهم .. وأي أبناء مزعومين لله ؟ هل لله ذرية كذرية آدم ؟ وليس ببعيد من يصف الله بأنه كالإنسان أن يقول على الله كلاما كبيرا كهذا .

وعدت إلى الصفحات أو الإصحاحات السابقة لتلك المقالة فلم أجد أي أثر لأبناء الله .. ولا أي تلميح إلى اتخاذ الله ذرية مخصوصة أسماهم أبناء الله حتى ولو على سبيل المجاز [7] . وذلك يدل على أن كون الإنسان على صورة الله حقيقة لا مجرد مجاز في نظر التوراة .. لأن اتخاذ أبناء الله بنات الناس نساء لهم ودخولهم بهم .. وأكثر من ذلك ولدن لهم أولادا كل ذلك يعني أنهم من طبيعتهن ومن جنسهن وعلى صورتهن . وعليه فالله في نظر التوراة ـ وهو أبو الأبناء المزعومين ـ أيضا على صورة البشر حقيقة .. فتعالى الله عما يصفون .

كما أن ما تقدم [ فحزن الرب انه عمل الإنسان في الأرض . وتأسف في قلبه ] .. فيه الدلالة الواضحة على نفي صفة العلم المسبق عن الله علام الغيوب .. وكأن الإله خلق الإنسان مجربا .. ولم يعرف عاقبة خلقه مسبقا فكانت العاقبة تدعو إلى الأسف والحزن مما دعا الله لمحو جنس بني آدم عن الأرض [ فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته .. ] ندما على خلقهم .. لا عقابا على طغيانهم ..!!!

ولما كان ميزاني في البحث يعتمد على ما تقوله الأديان في الله ( سبحانه وتعالى ) .. اكتفيت بهذا القدر من التوراة . ففي الصفحات الأولى التي صدّرت بها التوراة وجهت اتهامات لله ( سبحانه وتعالى ) بصفات نقص ونفي صفات الكمال . وكان في ذلك ما يكفي لصدي عن الاستمرار في القراءة والبحث في التوراة . كما تأكدت أن الديانة اليهودية لا يمكن أن تكون ديانة سماوية بشكلها الحالي على الإطلاق .

 

البحث عن الله .. في المسيحية ..

كنت أعلم أن التوراة هي جزء أساسي من الديانة المسيحية .. بل هي أصل الديانة المسيحية .. وإنما جاء المسيح ليتم الناموس لا لينقضه ..

[ (17) لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء . ما جئت لأنقض بل لأكمل . ]

( الكتاب المقدس : إنجيل متى {5} : 17 )

واعتماد المسيحية على التوراة كأصل للديانة كان كافيا لرفضي للمسيحية ( بمعنى أن المبني على باطل فهو باطل ) .. ولكن ذلك لم يخطر لي ببال . وهكذا ؛ انتقلت إلى الأناجيل . فالنصارى تعتقد بأن الله تجسد في المسيح الإنسان . فالمسيح هو الله في قالب بشري وأن له طبيعتين .. طبيعية لاهوتية ( أي إلهية ) .. وطبيعة ناسوتية ( أي إنسانية ) . ويقولون أن الله واحد في ثلاثة أقانيم هم :

الآب ( الله ) والابن ( المسيح الإنسان ) والروح القدس ( حمامة ) [8]

وهؤلاء الثلاثة .. هم الله .. كيف ؟ هذا هو سر الثالوث الأقدس الذي لا يستوعبه عقل بشري لأنه فوق مستوى إدراكه . ما هذا ؟ وكيف يقبله عقلي ..؟ وأنا مصر أن تقنعني به النصرانية أولا ثم تملي علي ـ بعد ذلك ـ أسرارا .. وتحل لي رموزا ..!!! أما أن يكون الأساس نفسه مكنونا وأسرارا فوق مستوى العقل ويجب التسليم به دون أدنى مسحة من عقل أو منطق .. فهذه دعوى يستطيع كل أحد أن يدعيها بلا دليل أو برهان .

بل ويمكن أن يقوم أي دين على مثل هذه الدعوة .. فيمكن لدين ما .. أن يدعو لعبادة أدنى المخلوقات ( بقرة .. أو حمار مثلا ) .. على أنه الخالق وإذا طلب إيضاحا .. قيل هذا سر عميق لا يمكن لبشر أن يدركه مهما بلغ من العلم والفهم .. لأنه فوق مستوى إدراكه ..!!! إن المسيحية غير مقنعة أو على الأقل لم تكن مقنعة لي خاصة مع إصراري على استعمال عقلي .

ويقول عبد الله سعد : وتجدر الإشارة ـ هنا ـ إلى أن الأناجيل كلها أغفلت حياة الرب المسيح منذ بلغ اثنتي عشرة عاما حتى بلغ الثلاثين ..

[ (23) ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي (24) بن متثات بن لاوي .. ]

( الكتاب المقدس : إنجيل لوقا : {3} : 23 )

فهل رواة الأناجيل ليسوا على علم بما تم أثناء ثمانية عشر عاما ( من 12 إلى 30 سنة ) من حياة ربهم ومخلصهم على الأرض ؟ هل كان مجرد عابد زاهد يعبد نفسه أو أبـاه لأنهما هما ” الله ” ( مع الروح القدس ) ولم يفعل شيئا يستحق الذكر خلال تلك الفترة ، في حين أنهم ـ من وجهة نظرهم ـ نقلوا كل كلمة قالها عندما كان يعلم الناس بعد سن الثلاثين ؟ أم ماذا ؟

فإن قالوا أن التلاميذ أو الرسل ( كما يسمونهم ) الذين كتبوا الأناجيل لم يعلموا كيف سارت حياة المسيح في تلك الفترة ، فقد سقطت دعواهم بأن الأناجيل معصومة من الخطأ ( لأن الرسل يجهلون هذه الفترة ) .. وبطل ادعاؤهم بأن التلاميذ إنما كتبوا الأناجيل بوحي من الروح القدس الذي حل عليهم ذلك لأن الروح القدس لا يمكن أن ينسى أو أن لا يطلع على مثل هذا الأمر من حياته الشخصية ..!!! فكيف ..؟!!! وهم يقولون أن الروح القدس هو الآخر هو الله نفسه أو الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس .

وإن قالوا أنه لم يعمل شيئا يستحق الذكر فقد قالوا شيئا عجبا [9] ..!!! فكيف يدعون أن المسيح هو ” الله ” .. ثم يقولون أن ” الله ” قد مكث على أرضنا هذه وفي معابد اليهود لمدة ثمانية عشر سنة لم يأت خلالها بعمل ولا حتى بكلمة تستحق الذكر ..؟!!!

وبعد العناد الطويل والمشادة بين عاطفتي وهواجس نفسي قررت احترام عقلي والأخذ بقناعاته فقلت : ” إن الله الذي أبحث عنه في الكتب ليس موجودا في الإنجيل ” . وعليه تركت أو أوقفت البحث عن الله  (عز وجل ) في النصرانية وأنا أعتقد أنها ليست ديانة سماوية .. ولا يعقل أن تكون صادرة عن الله العظيم لكثرة ما في عقيدتها من الخلل والاضطراب وما لا يقبله العقل من تشبيهات تنم عن محدودية تفكير مخترعيها ..!!!

 

البحث عن الله .. في الإسلام ..

بديهي ؛ لن أتعرض لبحث عبد الله سعد في الدين الإسلامي عن الله فما تم كتابته هنا في هذه السلسلة فيه ما يكفي . ولكني سأكتفي بذكر تعليقه على سورة الإخلاص . فالمولى ( عز وجل ) يقول لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ..

{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }

( القرآن المجيد : الإخلاص {112} : 1 – 4 )

ويقول عبد الله سعد :

” وسورة الإخلاص [10] فيها إجمال ووضوح وتعبر عن العقيدة الإسلامية ولو كنت أعرف معاني هذه السورة في بداية بحثي لكفتني . ولكن يبدو أنني لم أعمل عقلي فيها بالقدر الكافي ولم استوعب معناها رغم بساطتها فالتمست المزيد من التفاصيل ” .. في كتب أخرى مثل كتاب ” عقيدة المسلم ” للشيخ محمد الغزالي . وهكذا ؛ وجدت التنزيه لله ( عز وجل ) ضالتي المنشودة في الإسلام . وعرفت أن الإسلام يقول في الله ما يقبله كل عاقل .

 

الصراع النفسي .. والبحث عن الإسلام في النصرانية

فكرت جديا في اعتناق الإسلام .. ولكن النصرانية دين آبائي وأجدادي وكل أقربائي .. كانت قد انغرست في أعماقي وكانت جزء من تكويني النفسي . وقد أدت تلك الأحاسيس إلى ترددي في الإقدام على اعتناق الإسلام . وبدأت أثير لنفسي مخاوف وتساؤلات .. وأفكار شتى تجول في خاطري ..!!! وكأنى بالشيطان قد أدرك جدية قصدي هذه المرة فحشد كل طاقاته ووساوسه ليحزنني ويثنيني عن عزمي . ثم كيف أجهر بإسلامي في وسط يحـارب الإسلام بشتى الطرق وإن كان لا يجهر بهذا ..؟!! أخذت أبحث عن مبرر أبرر به مخاوفي من اعتناق الإسلام .. لما يترتب على ذلك من عواقب دنيوية وخيمة أقلها أنني سأنبذ من المجتمع ..!!!

وفجأة تذكرت أن الإسلام يعترف بالنصرانية كدين [11] .. وأصبح هذا هو المخرج . فلماذا لا اتخذ المسيحية دينا لي ..؟!!! وذلك لا يكلفني سوى أن أبقى على نصرانيتي كما كنت .. ولكن من منطلق جديد لا شرك فيه ولا ضلال . وإبقائي على المسيحية كدين ظاهري هو أسلم حل أو بديل من حيث تلافي المشاكل . وقلت أرضي عقلي وقناعتي بصحة الإسلام بأن آخذ من النصرانية ما يقره الإسلام منها فقط .. لأنه هو الميزان الحق . وبهذه الطريقة لا عقبات أو عواقب تنتظرني أو تهددني .. ما لو اتبعت الإسلام مباشرة ..!!!

وعدت أتصفح الأناجيل مرة أخرى .. وأتمعن في عبـاراتها كنصراني يلتمس هداية من كتابه . وكنت كلما أعثر بما لا يقبله العقل أو يتنافى مع المفهوم الصحيح للدين عزوت ذلك إلى التحريف ومضيت . كنت بلا شك .. أنشد الدعة والاستقرار والطمأنينة .. وكنت أبحث عن الحق والحقيقة في نفس الوقت ..!!! وكان الصراع قويا ..!!! وانتهيت إلى استحالة الجمع بين المسيحية والإسلام . فالمسيحية ترتكز على الصليب فهو شعارها .. والتثليث والإصرار على ألوهية المسيح وصلبه والخطيئة الأصلية .. هو مناط عقيدتها .. فلو جردناها من ذلك لا يبقى شيء اسمه الديانة المسيحية .. لأنها بهذا التجريد سوف يصبح كل ما يتعلق بها محرفا .

 

التسليم لصوت الحق ..

لم تحقق عودتي إلى النصرانية أي نوع من الطمأنينة .. كما لم أجد عذرا واحدا كي أتمسك بها بعد الذي رأيته فيها . كان هذا هو صوت عقلي أما صوت عاطفتي فكانت لا تزال تقول أن الإنجيل عزيز إلى نفسي .. وأتمنى أن أجد فيه ما يبرر لعقلي قبوله . وتابعت تقليب الصفحات ..

وتوقفت مرة أخرى لأتأمل كلمات السيد المسيح ..

[ (15) احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة (16) من ثمارهم تعرفونهم : هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا . (17) هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة . وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا رديّة . (18) لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارا رديّة ولا شجرة رديّة أن تصنع أثمارا جيدة . (19) كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار . (20) فإذًا من ثمارهم تعرفونهم ]

( الكتاب المقدس : إنجيل متى : {7} : 15 – 20 )

فهذه العبارة لا تعني أن كل الأنبياء الذين يأتون بعد المسيح كذبة .. بل تعني أنه سيكون من ضمن الأنبياء الذين يـأتون من بعده أدعياء كذابون فاحذروهم [12] . كما تعني حتما بأنه سيكون هناك أنبياء صادقون . وأن ميزان التمييز والتفرقة بينهم هو ما يأتون به من ثمار .. وهي الشرائع والأعمال .. وأكـد السيد المسيح النص مرتين [ من ثمارهم تعرفونهم ]

لقد وجدت أن العقيدة الإسلامية قد جاءتنا بأنقى وأوضح مفهوم عن الله ( سبحانه وتعالى ) .. الواحد المنزه عن النقائص والتشبيهات .. والمنزه عن كل شرك . وجدت الإسلام يشرع للناس حسب مقتضيات فطرتهم . يشرع للروح والجسد .. ويضمن للجميع حقوقهم بالعدل والرحمة على اختلاف ألوانهم وطبقاتهم وجنسياتهم .. بل وأديانهم . وهو دين يخاطب العقل ويحث على التفكير .. بل ويعطي الأدلة والبراهين .

وبوجود كل تلك الميزات للإسلام .. لم يكن بوسعي إلا أن أقول أن الإسلام ثمرة صالحة .. وثمرة جيدة لا تقدر أن تعطيها إلا شجرة جيدة .. وشجرة صالحة . وهكـذا ؛ وجدت في فقرات السيد المسيح السابقة دليلا قاطعا على أن الإسلام رسالة سماوية .. وأن محمدا بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم ) رسول الله حقا وصدقا .. وعليه فكل ما جاء به صحيح . والآن ؛ أصبح لا خيار لي بعد هذه اللحظة .. وبأي عذر أقابل ربي يوم القيامة .. إذا لم أسلم .. فإما الإسلام .. وإما جهنم فقلت :

” أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمدا رسول الله “

 

وانقشعت الغمامة ..

وانقشعت الغمامة بعد نطقي بالشهادة .. سبحان الله .. لقد تبينت حقيقة موقفي في هذه الحياة .. وفي هذا الكون وأبصرت طريقي . شعرت بالارتياح التام .. هدأت نفسي واطمأنت إلى حد لا أعرف له وصفا أعبر عنه بالكلمات . وصلت إلى نهاية الحقيقة .. وبلغت قمة ما كنت أطلبه وأرجوه . وكأن الإسلام بالذات كان غايتي وهدفي منذ بداية الرحلة .. كل ذلك حدث في غضون دقائق عقب إسلامي .. عقب نطقي بالشهادة ..

كان موقفا مذهلا حقا ولا يوصف . وكانت تجربة يستحيل أن يحس بها غير الذي ذاق حلاوتها وأحس بالفارق الهائل بين شعوره الآني في تلك اللحظات وبين شعوره في لحظات سبقت ذلك .

فلو قلت إنني كنت كالعجماء ( كالحيوان ) وعقلت فجأة فأصبحت آدميا عاقلا .. ولو قلت أنني كنت في ظلمة حقيقية ـ أعمى ـ لا أعرف عما حولي سوى ما يوصف إلي أو أحسه بيدي دون إبصار حقيقي فأبصرت فجأة ورأيت كل شيء حولي على حقيقته .. ولو قلت بأن كل ما مضى من حياتي كان وهما وحلما فأفقت منه .. لو قلت كل ذلك لما وفيت الموقف حقه من التعبير والوصف . فسبحان مقلب القلوب .. فكيف ينقلب الإنسان بين لحظة وأخرى .. من حال إلى حال .. وما بين الحالين كما بين الأرض والسماء ..

لقد أحسست بإنسانيتي وبوجودي .. وأبصرت نفسي . لقد أذهلني الموقف .. أذهلني التغير الهائل المفاجئ .. لقد أدركت مبلغ الضياع الذي كنت فيه .. وإهدار ما مضى من العمر في ظلمات أو سبات عميق فانفلق الصبح .. وأفقت من الوهم إلى الحقيقة .. أحسست أن كل شيء في نفسي بدأ يتغير ويتبلور ويتضح .

لم أكن أتوقع أن يحدث قراري الأخير باعتناق الإسلام كل هذه التغيرات في نفسي وفي مشاعري في غضون دقائق قليلة ..!!! تلاشت الهواجس .. وتلاشت المخاوف التي كانت تجول في رأسي .. وأصبح لدي من الشجاعة ما يكفي لمواجهة كل الاحتمالات . فقد تضاءلت أمام عيني كل القوى الأرضية .. وكنت واثقا أن ما فعلته هو الصواب .. وهو ما يريده مني خالق الكون العظيم .. فأي قوى تخيفني بعد ذلك ..!!!

أصبحت أرى أن أول الأولويات هو أن يهتدي الإنسان إلى الصواب الذي لا شك فيه ولا لبث .. وأن يحدد هدفه وطريقه إلى الجنة قبل فوات الأوان . فاطمئنان الإنسان على مصيره والعمل لأخرته هو ضرورة عاجلة .. فلا أحد يدري متى يموت .. فلا علامات .. ولا مهلة .. ولا إنذار في نظام الموت . فإذا جاء الموت فلا استدراك .. ولا يفيد الندم .. فأي عمل أولى من العمل للآخرة ..

{ حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) }

( القرآن المجيد : المؤمنون {23} : 93 – 94 )

 

وهرب رجل الدين ..

عقب إسلامي ؛ تملكتني رغبة جارفة في الدعوة إلى الإسلام .. وأشفقت كثيرا على أولئك الذين لا يزالون يجهلون حقيقة دين الإسلام .. ويكتفون بتلقي الأكاذيب والافتراءات ضده والتي يطلقونها عليه هم بأنفسهم حسدا .. ثم يصدقونها صامين آذانهم عن الحق متعامين عنه .. ليأتي قوله تعالى دليل الصدق عليهم ..

{ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) }

( القرآن المجيد : البقرة {2} : 109 )

ولقلة خبرتي .. بدت لي الدعوة أمرا ميسورا .. لأن الإسلام دين حق .. واضح لا مراء فيه والأدلة على ذلك لا حصر لها .. وما على غير المسلم إلا أن يطلع على الإسلام فيسارع إلى اعتناقه .. ونسيت أو تناسيت عنادي ومماطلتي في الاستسلام إلى الدين الحق ..!!!

ويضيف عبد الله سعد : سألت أحد القساوسة ـ وكان معروفا بأنه علامة وصاحب حجة ـ وكنت أناقشه في المسيحية ، وقد علم باعتناقي الإسلام قلت : تقولون أن الله نزل من السماء ، وتجسد في صورة المسيح ، وصُلب من أجل التكفير عن خطايا البشر ، في حين أن الله سبحانه وتعالى قادر على مغفرة ذنوب عباده ويستطيع أن يقول من فوق العرش العظيم : ” غفرت لكم يا عبادي ” .. فما الذي يحوجه إلى إرسال ابنه كما تعتقدون أو أن ينزل هو إلى الأرض .. ويترك اليهود يعلقونه على الصليب ، فيبصقون عليه ويقتلونه حتى يكون فداء لذنوب الناس فيغفر لهم فلماذا اختار هذا الأسلوب ؟ فكان جوابه : لأنه يجب أن يكون في مقابل كل خطيئة دم حتى تغفر تلك الخطيئة [13] .

قلت : ومن أسس هذه القاعدة ..؟! ( كما رأينا من التذييل السابق أن الذي أسسها هو بولس الرسول ) .. وما هو الدليل عليها ؟ أحب أن تثبت لي صحة القاعدة أو الفرضية ( ومن فرضها على الله ) عن طريق العقل ثم تبني عليها ما شئت من نتائج .

كان ذلك خاتمة أسئلة ونقاش دام ساعة واعتذر القس بأن وراءه ارتباطا بالكنيسة .. وانصرف ولم يدر بماذا يجيب . وقد بنى كل نقاشه على قواعد موصوفة له للتسليم بها أولا .. ودون مناقشة ..!!!

وهكذا هرب رجل الدين .. ورفض المواجهة ..!!! إن طريق الدعوة شاق وطويل ويحتاج إلى الصبر وتحمل الأذى .. لأن سلعة الله غالية . وبعد عدة مقارعات ومناقشات مع أصناف من الناس .. ازددت يقينا بأن ربي سيملأ جهنم من الكافرين .. ليتحقق قوله تعالى ..

{ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (30) }

( القرآن المجيد : ق {50} : 29 – 30 )

وأن ذلك كله كائن بمقتضى عدل الله المطلق .. وهو القائل سبحانه وتعالى ..

{ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) }

( القرآن المجيد : القلم {68} : 35 – 36 )

وهكذا تنتهي قصة عبد الله سعد .. وتحوله للإسلام .

وفي نهاية قصته يقول عبد الله سعد ..

[ لقد ركزت في هذه القصة على أسباب اعتناقي للإسلام وأغفلت أحداث ما بعد الإسلام .. لظني أنها تقتصر على الجوانب الشخصية .. حيث كنت أريد أن تكون القصة موضوعية أكثر منها شخصية . وقد اعتبرت أن الصعوبات التي يواجهها المسلم الجديد والتضحيات التي يبذلها هي زكاة الإيمان وسجية الإسلام . وأن ما واجهته أنا كان أقل كثيرا مما يمكن أن تفتدي به نفس من النار . فالله أسأل أن يشملني برحمته .. وأن يحتسب لي من عملي ما كان خالصا لوجهه .. وأن يتجاوز لي عما خالطه من رياء وسمعة .. إنه هو السميع المجيب ] .

ولا يبقى سوى أن نذكر .. بقوله تعالى ..

{ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) }

( القرآن المجيد : الزمر {39} : 71 – 73 )

 

****************

 

هوامش المقالة :

 

[1] هذه المقالة مأخوذة عن كتاب : ” الحوار الخفي / الدين الإسلامي في كليات اللاهوت ” لنفس المؤلف . يطلب من مكتبة وهبة .

[2] ” كنت نصرانيا ..! ” ؛ عبد الله سعد . دار اليقين للنشر والتوزيع .

[3] المرجع السابق .

[4] أسرار الكنيسة السبع هي : (1) المعمودية (2) الميرون (3) التوبة (4) الإفخارستيا (5) مسحة المرضى (6) الزيجة (7) الكهنوت [ وللتفاصيل أنظر الكتاب الأول من هذه السلسلة : ” الإنسان والدين .. ولهذا هم يرفضون الحوار ” ] .

[5] سبق شرح قصة الخلق هذه من منظور مخالف تماما لما جاء من منظور عبد الله سعد .. في مرجع الكاتب السابق : ” الحقيقة المطلقة .. الله والدين والإنسان ” لنفس المؤلف . مكتبة وهبة .

[6] مثل هذه الشروح تأتي في الترجمة الحديثة للكتاب المقدس ـ كتاب الحياة .. وليست من عندي .

[7] تم التثبت من هذه المعلومة أيضا باستخدام النسخة الإلكترونية للكتاب المقدس .

[8] تستند هذه الصورة إلى النص الإنجيلي التالي : [ (21) .. وإذ كان يصلي ( أي عيسى ) انفتحت السماء (22) ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة وكان صوت من السماء قائلا أنت ابني الحبيب بك سررت ] ( إنجيل لوقا { 3 } : 21 – 22 ) . ويتكرر هذا المعنى في الأناجيل الثلاثة الأخرى : متى (3 : 16) / مرقص (1 : 10) / يوحنا (1 : 32 ) .

[9] صدر حديثا عن المكتبة المسيحية كتاب : ” السنوات المجهولة من حياة المسيح ” للدكتور : فريز صموئيل . والكتاب مكون 195 صفحة .. أنفق الكاتب منها 168 صفحة ( لاحظ الخروج عن الموضوع ) في إثبات أن المسيح في هذه الفترة : لم يكن في أحد الأديرة البوذية في الهند .. كما لم يكن في وادي قمران مع الأسينيين ( جماعة رهبانية يهودية ) .. بل كان في الناصرة في فلسطين مع أهله وعشيرته .. يتعلم في المدرسة اليهودية أي الكتّاب اليهودي ( ص : 172 ) .

ثم انتهى الكاتب ( ص : 170 ) إلى أن : ” .. هدف الأناجيل لم يكن هدفا روائيا ، لأن الذين كتبوا هذه الكتب لم يحاولوا أن يقدموا قصة حياة يسوع لكي يشبعوا رغبة محب الاستطلاع .. ” . ثم أضاف (ص : 173) قائلا : ” أن هذا السكوت عن هذه الفترة كان متعمد من كتّاب الأناجيل ..!!! لأن الهدف من وجود المسيح لم يكن لإعطاء الناس القدوة .. بل لبيان أنه المصلح والمخلص .. لهذا اكتف الكتّاب بالتاريخ الذي ابتدأ فيه أعماله العلانية والرسمية بعد بلوغه سن الثلاثين ” ( انتهى ) .

وبهذا المعنى ؛ يؤكد الكاتب ـ د. صموئيل ـ على أن ” المسيح الإله ” لم يقل كلمة لها قيمة ما وتستحق التدوين .. خلال فترة الثمانية عشر عاما هذه .. حيث كان ” الإله ” يتلقى العلم على يد حكماء اليهود .. في هذه الفترة ..!!!

[10] أنظر الملحق الثاني ( من الكتاب الأول : ” الإنسان والدين .. ” من هذه السلسلة ) : أسماء الله الحسنى / أو الكمالات الإلهية مع المقارنة مع ما ورد في المسيحية من صفات .

[11] ملحوظة : الإسلام لا يعترف بالمسيحية الحالية كدين سماوي .. بل يعترف بها كدين وضعي . والإسلام يعترف بنزول الإنجيل على عيسى ( عليه السلام ) .. وأن الدين الذي أتى به عيسى ( عليه السلام ) لم يكن سوى أحد النسخ الأولى للإسلام ، وما كان ينبغي أن يسمى : ” الديانة المسيحية ” بل كان ينبغي أن يسمى ” الدين الإسلامي ” ولكن بعد تحريفه أصبح لا يمت للإسلام بصلة .. وبهذا أصبح اسمه : ” الديانة المسيحية ” .

[12] تم مناقشة هذا المعنى في كتاب : ” الحوار الخفي / الدين الإسلامي في كليات اللاهوت ” .. وأنه انطبق إلى حد كبير على ” بولس الرسول ” أو بمعنى أدق ” بولس الحواري ” .

[13] تستند هذه القاعدة إلى نص بولس التالي :

[ (22) وكل شيء تقريبا ( almost ) يتطهر حسب الناموس ( الشريعة ) بالدم ، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ]

( رسالة بولس إلى العبرانيين 9 : 22 )

وكما نرى فإن بولس يقول : أن كل شيء يتطهر ” تقريبا ” على حسب الشريعة بالدم . وبولس هو الذي رفض الشريعة من قبل جملة وتفصيلا ( على النحو الذي بيناه في الفصل السابق ) ..!!! ثم ما معنى قوله : ” تقريبا ” فهل يوجد تطهر يتم بدون الحاجة إلى الدم ..!!! وهكذا ؛ فالتطهير بالدم هو من تأسيس بولس ..!!!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s